(هود: ١٥) . ألا فبئست الدار لمن أقام فيها، فاعملوا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها عما قليل، فإنّها كما وصفها من أنشأها، وكما ذمّها من ابتدأها، فقال: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً
(الكهف: ٤٥) . من ذمّ الله أعمالهم كيف حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا، وأنزلوا فلا ينزلون ضيفانا، وجعل لهم من الضّريح أكفانا، ومن التراب أكنانا، ومن الرّفات جيرانا، فهم جيرة وهم أبعاد، متناؤون لا يزورون ولا يزارون، حلماء قد ذهبت أضغانهم، وجهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخشى دفعهم، ولا يرجى منعهم، كما قال الله عزّ وجلّ: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً
(القصص: ٥٨) ، استبدلوا بظهر الأرض بطنها وبالسّعة ضيقا، وبالأهل غربة، وبالنّور ظلمة، فجاوروها كما فارقوها، حفاة عراة فرادى، غير أنّهم ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة، وإلى خلود الأبد، فكانوا كما قال الله عزّ وجلّ: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ،
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ*
(الأنعام: ٦٢، القصص: ٧٥) ، فاحذروا ما حذّركم الله، فإنه قد أعذر وأنذر، ووعد وأوعد لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ