للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أن ينزل بياقوتة من الجنة، فنزل بها، فمسح بها رأس آدم، فتناثر الشعر منه، فحيث بلغ نورها صار حرما، وهو من جنس ما قبله. وقيل غير ذلك؛ وحينئذ فيحتمل: أن تكون الملائكة الموكلة بحراسته صلّى الله عليه وسلّم وحراسة بلده الشريف قائمة بتلك الحدود، فانتهى الحرم إليها، ويحتمل: أن درته الشريفة التي خلق منها لما كان مأخذها موضع قبره الشريف، وهو أعظم رياض الجنة، واشتمل مسجده أيضا على روضة من رياض الجنة، انبثت الأنوار من ذلك إلى ما لا يعلم غايته إلا الله، ولكن أبصار الناظرين لها غايات؛ فقد يكون انتهاؤها إلى تلك الحدود فانتهى الحرم إليها، ويحتمل أنه صلّى الله عليه وسلّم يوم قدومه إلى المدينة انتشرت الإضاءة، وشوهد وصولها إلى تلك الحدود، وسيأتي قول أنس بن مالك في وصف يوم قدومه صلّى الله عليه وسلّم: ما رأيت مثل ذلك اليوم قط، والله لقد أضاء منها كل شيء، يعني: المدينة، والله أعلم.

[الفصل الثالث عشر في أحكام هذا الحرم الشريف، وفيه مسائل]

[الأولى: القول في تحريم الصيد وقطع الشجر]

اتفق الشافعي ومالك وأحمد على تحريم صيد حرم المدينة، واصطياده، وقطع شجره. وقال أبو حنيفة: لا يحرم شيء من ذلك، والأحاديث الصحيحة الصريحة حجة عليه، وقد قدمنا جملة منها، ولو لم يكن إلا قوله صلّى الله عليه وسلّم «كما حرم إبراهيم مكة» لكان كفاية؛ فإنه يتمسك به في كل ما لم يقم دليل على افتراق الحرمين فيه. وروى أبو داود- وسكت عليه، قال النووي: وهو صحيح أو حسن، أي: كما هو قاعدته فيما يسكت عليه- أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أخذ رجلا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسلبه ثيابه، فجاء مواليه فكلموه فيه، فقال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «حرم هذا الحرم، وقال: من أخذ أحدا يصيد فيه فليسلبه فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه» وسيأتي عنه نحوه في قطع الشجر، وفي الموطأ عن أبي أيوب الأنصاري أنه وجد غلمانا قد ألجؤوا ثعلبا إلى زاوية، فطردهم عنه، قال مالك:

لا أعلم إلا أنه قال: أفي حرم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصنع هذا؟ وروى الطبراني برجال الصحيح مثله عن زيد بن ثابت بدل أبي أيوب، وفي الموطأ أيضا أن رجلا قال: دخل علي زيد بن ثابت وأنا بالأسواف «١» ، وقد اصطدت نهسا «٢» فأخذه من يدي، فأرسله. ورواه


(١) الأسواف: موضع بين الحرتين، ببعض أطراف المدينة.
(٢) النهس: طائر من الفصيلة الصردية لونه كستنائي وهو أكبر من العصفور، ضخم الرأس والمنقار، شرس الطباع.

<<  <  ج: ص:  >  >>