. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَلَا انْتِفَاعَهُ بِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا شَبَّهَ مَسْأَلَةَ السَّفَرِ بِمَنْ حِيزَتْ عَنْهُ الدَّارُ سَنَةً اقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ انْتِفَاعَهُ بِهَا بَعْدَ أَنْ حِيزَتْ عَنْهُ لَا تَبْطُلُ الْحِيَازَةُ وَاقْتَضَى ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ قَبْضَ الْأَبِ لَهَا بَعْدَ حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ لَا يُبْطِلُ الْحِيَازَةَ، وَإِنَّمَا يُبْطِلُهَا انْتِفَاعُ الْأَبِ بِهَا وَسَلَفُهُ إيَّاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الْحِيَازَةَ قَدْ وُجِدَتْ فِيهَا فَلَا يَضُرُّهُ مَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ وَهَبَهُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ فَقَبَضَهُ الْأَبُ وَمَاتَ وَهُوَ بِيَدِهِ.
وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى صِحَّتِهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ حِيَازَةَ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فِيهَا ضَعْفٌ، وَكَذَلِكَ الْغَائِبُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا تَخْتَصُّ حِيَازَةُ النَّائِبِ عَنْهُ بِأَنَّ الْهِبَةَ تَتَعَيَّنُ بِقَبْضِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَتَعَيَّنُ فَإِذَا اسْتَرْجَعَهَا الْأَبُ مِنْ يَدِهِ وَصَرَفَهَا فِي مَنْفَعَتِهِ بَطَلَتْ الْهِبَةُ، وَلَوْ تَسَلَّفَهَا مِنْ الْكَبِيرِ بَعْدَ أَنْ تَتِمَّ حِيَازَتُهَا لَمْ تَبْطُلْ الْهِبَةُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ، أَوْ حَبَسَ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ فَجَعَلَ مَنْ يَحُوزُ لَهُمْ فَحَازَ ذَلِكَ الْأَبُ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ فَوُجِدَتْ عِنْدَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ، قَالَ مُطَرِّفٌ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ الْأَبُ أَنَّهُ رَدَّ حِيَازَتَهَا إلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَدَثَ فِي مَنْ كَانَ يَحُوزُهَا سَفَهٌ فَإِنَّهُ يَحُوزُ ذَلِكَ إذَا أَشْهَدَ.
وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ هُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْإِشْهَادُ فِي أَنَّ قَبْضَهَا لِلْحِفْظِ لِلِابْنِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَشْتَرِطُ الْإِشْهَادَ ضَرُورَةَ الْأَخْذِ لَهَا مِنْ الْحَائِزِ بِسَفَهِهِ وَتَتَّفِقُ أَقْوَالُهُمْ عَلَى أَنَّ لِحِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ تَأْثِيرًا فِي صِحَّةِ الْحِيَازَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَمَا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ فَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ مَنْ قَبَضَ لِابْنِهِ الصَّغِيرَ مَا فِي يَدِهِ وَحَازَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ جَازَ إذَا كَانَ شَيْئًا مُعَيَّنًا وَلَا يَجُوزُ فِيمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالطَّعَامِ وَسَائِرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ إلَّا أَنْ يَضَعَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ وَيُشْهِدُ عَلَيْهِ فَإِنْ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ لَمْ تَصِحَّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَصِحُّ قَبْضُهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَبَ قَدْ يُتْلِفُ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ، أَوْ يَتْلَفُ بِغَيْرِ سَبَبِهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَفُ عَيْنُهُ فَلَا يُعْلَمُ إنْ كَانَ مَا وُجِدَ هُوَ الَّذِي كَانَ وَهَبَهُ، أَوْ غَيْرُهُ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ يَجُوزُ أَنْ يَحُوزَهَا الْأَبُ إذَا وَضَعَهَا فِي شَيْءٍ وَخَتَمَ عَلَيْهَا وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَتَمَيَّزُ وَيُمْكِنُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهَا وَيَكُونُ كَالْعَبْدِ وَالثَّوْبِ وَمَا يَتَمَيَّزُ عَيْنُهُ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ الْمَدَنِيِّينَ فِي حِيَازَةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْمِصْرِيِّينَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَكِيلٍ، أَوْ مَوْزُونٍ، أَوْ مَعْدُودٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الدَّنَانِيرَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِدَارٍ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا حَتَّى بَاعَهَا ثُمَّ مَاتَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُشْتَرِي فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ الصَّدَقَةُ جَائِزَةٌ وَالثَّمَنُ لِلْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَاتَ فِي دَارِ الْمُشْتَرِي وَسَوَاءٌ بَاعَهَا بِاسْمِ الْوَلَدِ، أَوْ جُهِلَ ذَلِكَ حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ بَاعَهَا لِنَفْسِهِ اسْتِرْجَاعًا لَهُ فِيهَا فَإِنْ عَثَرَ عَلَى ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ رَدَّ الْبَيْعَ وَرَجَعَتْ الدَّارُ لِلْوَلَدِ، وَإِنْ لَمْ يَعْثُرْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ الْأَبُ بَطَلَتْ الصَّدَقَةُ وَنَفَذَ الْبَيْعُ وَسَوَاءٌ مَاتَ فِيهَا، أَوْ قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْهَا بَعْدَ الصَّدَقَةِ ثُمَّ بَاعَهَا فَسَوَاءٌ بَاعَهَا لِنَفْسِهِ اسْتِرْجَاعًا، أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ لِلْوَلَدِ، مَاتَ الْأَبُ أَوْ لَمْ يَمُتْ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ فِي تَرِكَةِ الْأَبِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الِابْنِ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ الْأَبُ شَيْئًا وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ سَاكِنًا فِيهَا وَأَشْهَدَ عَلَى احْتِيَازِهَا لِابْنِهِ ثُمَّ بَاعَهَا بِاسْمِ الِاسْتِرْجَاعِ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي بَاعَ بَعْدَ أَنْ أَخْلَاهَا مِنْ سُكْنَاهُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِحَوَانِيتَ وَمَسَاكِنَ لَهَا غَلَّاتٌ فَلَمْ يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ يُكْرِيهَا لِلِابْنِ بِاسْمِهِ، أَوْ بِاسْمِ نَفْسِهِ فَذَلِكَ لِلِابْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَكْرَاهَا وَلَمْ يَقُلْ أَكْرَيْتُ لِابْنِي، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ ذَلِكَ إلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ يَحُوزُهُ لِابْنِهِ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا ثَبَتَ الْكِرَاءُ بِاسْمِ نَفْسِهِ وَعَابَهُ وَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ هَذَا خِلَافُ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ