(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطَعَامٍ وَمَعَهُ رَبِيبُهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيك» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: إنَّ لِي يَتِيمًا وَلَهُ إبِلٌ أَفَأَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ إبِلِهِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنْ كُنْت تَبْغِي ضَالَّةَ إبِلِهِ وَتَهْنَأُ جَرْبَاهَا وَتَلِيطُ حَوْضَهَا وَتَسْقِيهَا يَوْمَ وِرْدِهَا فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ وَلَا نَاهِكٍ فِي الْحَلْبِ) .
ــ
[المنتقى]
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْتَضِي أَنَّ التَّسْمِيَةَ مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الطَّعَامِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ عَلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ يُرِيدُ عِنْدَ ابْتِدَائِهِ وَيَحْمَدَ اللَّهَ عِنْدَ تَمَامِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَكُلْ مِمَّا يَلِيك يُرِيدُ مِنْ الطَّعَامِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ لَهُ وَالْإِرْشَادِ إلَى حُسْنِ الْأَدَبِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ يَنْبَغِي لِلْآكِلِ يُرِيدُ مَعَ غَيْرِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا يَلِيهِ إنْ كَانَ طَعَامًا مُتَسَاوِيًا فَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُدِيرَ يَدَهُ فِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي آخِرِ النِّكَاحِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْكُلُ فِي بَيْتِهِ مَعَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ فَيَأْكُلُ مِمَّا يَلِيهِمْ وَيَتَنَاوَلُ مِمَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ «أَكَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ خَيَّاطٍ فَقَدَّمَ قَدِيدًا وَدُبَّاءَ فَرَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ حَوْلَ الْقَصْعَةِ» .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْقَوْمِ يَأْكُلُونَ فَيَتَنَاوَلُ بَعْضُهُمْ مِنْ يَدِ بَعْضٍ وَبَعْضُهُمْ مُتَوَسِّعٌ لِبَعْضٍ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ الَّتِي تُعْرَفُ عِنْدَنَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِنْ سُنَّةِ الْأَكْلِ أَنْ يَكُونَ جَالِسًا عَلَى الْأَرْضِ عَلَى هَيْئَةٍ يَطْمَئِنُّ عَلَيْهَا وَلَا يَأْكُلُ مُضْطَجِعًا عَلَى بَطْنِهِ وَلَا مُتَّكِئًا عَلَى جَنْبِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْبُعْدِ عَنْ التَّوَاضُعِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ وَوَقْتُ الْأَكْلِ وَقْتُ تَوَاضُعٍ وَشُكْرٍ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ.
وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا.
(فَرْعٌ) وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَأْكُلُ وَهُوَ وَاضِعٌ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى الْأَرْضِ فَقَالَ: إنِّي لَأَتَّقِيهِ وَأَكْرَهُهُ وَمَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَرِهَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الِاتِّكَاءِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُسْمَعْ فِي ذَلِكَ بِنَهْيٍ يَخُصُّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ سَمِعَ فِي الْإِتْكَاءِ مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنْ كُنْت تَبْغِي ضَالَّةَ إبِلِهِ أَيْ تَطْلُبُ مَا ضَلَّ مِنْهَا وَتَقْتَفِي أَثَرَهُ وَتَنْشُدُهُ يُرِيدُ عَلَى حَسَبِ مَا تَفْعَلُ بِضَالَّةِ إبِلِك؛ لِأَنَّهُ هُوَ الِابْتِغَاءُ الْمُعْتَادُ وَقَوْلُهُ وَتَهْنَأُ جَرْبَاهَا يُرِيدُ تَطْلِي الْجَرَبَةَ مِنْهَا بِالْهَنَاءِ وَهُوَ الْقَطْرَانُ وَقَوْلُهُ وَتُلِيطُ حَوْضَهَا يُرِيدُ تَرُمُّ حَوْضَهَا الَّذِي تَشْرَبُ مِنْهُ وَتَكْنُسُهُ وَتَسْقِيهَا يَوْمَ وِرْدِهَا يُرِيدُ يَوْمَ شُرْبِهَا قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى وَابْنُ نَافِعٍ وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ لُطْت الْحَوْضَ لُوطًا طَيَّنْته.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ عَلَى مَعْنَى الْإِبَاحَةِ لَهُ لِيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا عَلَى هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَضُرَّ بِأَوْلَادِهَا وَقَوْلُهُ وَلَا نَاهِكٍ فِي الْحَلَبِ يُرِيدُ مُسْتَأْصِلَ اللَّبَنِ قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ نَافِعٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى، وَالْحَلَبُ بِفَتْحِ اللَّامِ اللَّبَنُ وَبِتَسْكِينِ اللَّامِ الْفِعْلُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ شَيْئًا إلَّا مِنْ اللَّبَنِ إنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا ثَمَنَ لَهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: ٦] .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ فَذَهَبَ عُمَرُ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ بِالْمَعْرُوفِ، ثُمَّ قَضَى رَوَاهُ حَارِثَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ قَالَ: سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ أَنْزَلْت مَالَ اللَّهِ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ وَالِي الْيَتِيمِ إنْ اسْتَغْنَيْت اسْتَعْفَفْت وَإِنْ افْتَقَرْت أَكَلْت، ثُمَّ قَضَيْت وَرَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَرَوَى مُقَسِّمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ فَلْيُقَوِّتْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِهِ وَلَا يُصِبْ مِنْ