للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[نيل الأوطار]

وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ الْأَقْوَالَ فَبَلَغَتْ سِتَّةً، الْأَوَّلُ: أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا

الثَّانِي: لَا تُشْرَعُ إلَّا لِسَبَبٍ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلهَا لِسَبَبٍ، فَاتَّفَقَ وُقُوعُهُ وَقْتَ الضُّحَى وَتَعَدَّدَتْ الْأَسْبَابُ، فَحَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ فِي صَلَاتِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ، كَانَ لِسَبَبِ الْفَتْحِ، وَأَنَّ سُنَّةَ الْفَتْحِ أَنْ يُصَلِّيَ عِنْدَهُ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، قَالَ: وَكَانَ الْأُمَرَاءُ يُسَمُّونَهَا صَلَاةَ الْفَتْحِ، وَصَلَاتُهُ عِنْد الْقُدُومِ مِنْ مَغِيبِهِ كَمَا فِي حَدِيث عَائِشَةَ كَانَتْ لِسَبَبِ الْقُدُومِ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ " وَصَلَاتُهُ فِي بَيْتِ عِتْبَانُ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ لِسَبَبٍ وَهُوَ تَعْلِيمُ عِتْبَانُ إلَى أَيْنَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سَأَلَ ذَلِكَ. وَأَمَّا أَحَادِيثُ التَّرْغِيبِ فِيهَا وَالْوَصِيَّةِ بِهَا فَلَا تَدُلّ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلِهَذَا خَصَّ بِذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَة وَأَبَا ذَرٍّ، وَلَمْ يُوصِ بِذَلِكَ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا لَا تُسْتَحَبّ أَصْلًا.

وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: يُسْتَحَبُّ فِعْلُهَا تَارَةً وَتَرْكُهَا أُخْرَى. وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: تُسْتَحَبُّ صَلَاتُهَا وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا فِي الْبُيُوتِ. وَالْقَوْلُ السَّادِسُ: أَنَّهَا بِدْعَةٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْهَادِي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالْقَاسِمُ وَأَبُو طَالِبٍ، وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ بِإِثْبَاتِهَا قَدْ بَلَغَتْ مَبْلَغًا لَا يَقْصُرُ الْبَعْضُ مِنْهُ عَنْ اقْتِضَاءِ الِاسْتِحْبَابِ

وَقَدْ جَمَعَ الْحَاكِمُ الْأَحَادِيثَ فِي إثْبَاتِهَا فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ عَنْ نَحْوِ عِشْرِينَ نَفْسًا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ السُّيُوطِيّ صَنَّفَ جُزْءًا فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي إثْبَاتِهَا

وَرَوَى فِيهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَهَا، مِنْهُمْ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَائِشَةُ، وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو ذَرٍّ

وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَالِبٍ، وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ أَبُو نُعَيْمٍ

وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلُّونَهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُدُّ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ

وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ أَيْضًا فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: طَلَبْتُ صَلَاةَ الضُّحَى فِي الْقُرْآنِ فَوَجَدْتُهَا هَهُنَا {يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ} [ص: ١٨]

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْإِيمَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ صَلَاةَ الضُّحَى لَفِي الْقُرْآنِ وَمَا يَغُوصُ عَلَيْهَا إلَّا غَوَّاصٌ فِي قَوْله تَعَالَى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور: ٣٦]

وَأَخْرَجَ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي التَّرْغِيبِ عَنْ عَوْنٍ الْعُقَيْلِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: ٢٥] قَالَ: الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلَاةَ الضُّحَى وَأَمَّا احْتِجَاج الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا لَا تُشْرَعُ إلَّا لِسَبَبٍ بِمَا سَلَف فَالْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرهَا الْمُصَنِّفُ وَذَكَرْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ تَرُدُّهُ، وَكَذَلِكَ تَرُدُّ اعْتِذَارَ مَنْ اعْتَذَرَ عَنْ أَحَادِيثِ الْوَصِيَّةِ وَالتَّرْغِيبِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاخْتِصَاصِ، وَتَرُدُّ أَيْضًا

<<  <  ج: ص:  >  >>