للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[نيل الأوطار]

[بَاب اسْتِئْذَان الْأَبَوَيْنِ فِي الْجِهَاد]

الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَخْرَجَهَا أَيْضًا النَّسَائِيّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَأَخْرَجَهَا أَيْضًا مُسْلِمٌ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ. قَالَ: " ارْجِعْ إلَى وَالِدَتِكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهَا ". وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ رُكَانَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي إسْنَادِهِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَرِجَالُ إسْنَادِ النَّسَائِيّ ثِقَاتٌ إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ طَلْحَةَ وَهُوَ صَدُوقٌ يُخْطِئُ. قَوْلُهُ: (أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ " أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ " وَظَاهِرُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ وَأَفْضَلُهَا.

قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَحَاصِلُ مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأَجْوِبَةُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، أَنَّ الْجَوَابَ اخْتَلَفَ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ بِأَنْ أَعْلَمَ كُلَّ قَوْمٍ بِمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ أَوْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ رَغْبَةٌ، أَوْ بِمَا هُوَ لَائِقٌ بِهِمْ، أَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ بِأَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، فَقَدْ كَانَ الْجِهَادُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ لِأَنَّهُ الْوَسِيلَةُ إلَى الْقِيَامِ بِهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهَا. وَقَدْ تَضَافَرَتْ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي وَقْتِ مُوَاسَاةِ الْفُقَرَاءِ الْمُضْطَرِّينَ تَكُونُ الصَّدَقَةُ أَفْضَلَ، أَوْ أَنَّ أَفْضَلَ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا، بَلْ الْمُرَادُ بِهَا الْفَضْلُ الْمُطْلَقُ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فَحُذِفَتْ مِنْ وَهِيَ مُرَادَةٌ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْأَعْمَالُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْبَدَنِيَّةِ، وَأُرِيدَ بِذَلِكَ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ إيمَانٌ بِاَللَّهِ» ، الْحَدِيثَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِالْجِهَادِ هُنَا مَا لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ الْوَالِدَيْنِ فَيَكُونُ بِرُّهُمَا مُقَدَّمًا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ أَنَّ الْبِدَارَ إلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ مِنْ التَّرَاخِي فِيهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا شَرَطَ فِيهَا أَنْ تَكُونَ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إذَا أُقِيمَتْ لِوَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ. قَالَ الْحَافِظُ: وَفِي أَخْذِ ذَلِكَ مِنْ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي أَوَّلًا وَلَا آخِرًا، وَكَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ الِاحْتِرَازُ عَمَّا إذَا وَقَعَتْ قَضَاءً

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إخْرَاجَهَا عَنْ وَقْتهَا مُحَرَّمٌ، وَلَفْظُ أَحَبُّ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الِاسْتِحْبَابِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ الِاحْتِرَازُ عَنْ إيقَاعِهَا آخِرَ الْوَقْتِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُشَارَكَةَ إنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْمَالِ، فَإِنْ وَقَعَتْ الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا كَانَتْ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ الْأَعْمَالِ فَوَقَعَ الِاحْتِرَازُ عَمَّا إذَا وَقَعَتْ خَارِجَةً عَنْ وَقْتِهَا مِنْ مَعْذُورٍ كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي، فَإِنَّ إخْرَاجَهُمَا لَهَا عَنْ وَقْتِهَا لَا يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ وَلَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ مَعَ كَوْنِهِ مَحْبُوبًا لَكِنَّ إيقَاعَهَا فِي الْوَقْتِ أَحَبُّ. وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: " الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا " وَهَذَا اللَّفْظُ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ

<<  <  ج: ص:  >  >>