للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وما ذكرناه في الأَمَة المنكوحة، وعرَّيناه عن ذكر إذنها؛ فإنَّ سببه رق الولد، ويمكن إدراج اعتبار إذنها في الترتيب، لما لها من حقِّ الفراش.

٨٣٣٤ - هذا ما ذكره الأصحاب، وفي جميع ما ذكروه غائلة عظيمة؛ وذلك أنهم قطعوا بأنَّ العزل لا يحرم عن الأمة، ورددوا الخلاف في أنَّ العزل هل يحرم عن المنكوحة؟ وكان شيخي يقطع بأنَّ العزلَ لا يحرم قط، ولكن يكره. وكان ينزل الكراهية على مضمون الأحاديث. وكان لا يفرِّق بين الأمة والمنكوحة، ويستدل بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا وطئتم فلا تعزلوا، فإنه ما مِنْ نسمةٍ قضى الله بأنها كائنة إلَاّ وهي كائنة إلى يوم القيامة" (١).ولمّا قال في العزل: إنه المؤودة الصغرى، لم يفرق بين محل ومحل.

٨٣٣٥ - ونحن نقول وراء ذلك كله: إنَّ المصيرَ إلى تحريم العزل لا شك أنه حائد عن القياس، وإنَّ المصير إليه ظاهر في كلام الأصحاب، والدال عليه التشبيه [بالوأد] (٢)، وهو من الوعيد، ويبعد التوعد على ما ليس محرماً.

ثم الذي أراه أنَّ الذي حرمه الأصحاب قصد العزل، فأمَّا إذا عَنَّ للإنسان أن ينكف عن امرأة من غير أن يجرد قصداً إلى العزل، فهذا مما يجب القطع بأنه لا يحرم.

والوارد في الحديث لفظ العزل وهو مُشْعِرٌ بما ذكرته.

وطريقة شيخي في أنَّ العزل لا يحرم حسن بالغ، وما ذكره من التسوية بين الأمة والمنكوحة معتضد بظاهر الخبر، وقول الأصحاب في الفصل أمثل؛ لما أومأنا إليه.

ومما أجراه الأصحاب -وفيه اضطراب عندي- التعرض لإذن المرأة، وهذا يشعر بمراعاة حقها في تمام [الاستمتاع] (٣). ولست أرى لهذا وجهاً، سيَّما إذا حُكِمَ بالتحريم فيه؛ إذ لا متعلَّق إلَاّ الخبر، ولا تعلق فيه للإذن. فهذا منتهى البحث عن


(١) حديث "إذا وطئتم فلا تعزلوا فإنه ما من نسمةٍ ... الحديث"، متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري مع اختلاف يسير في اللفظ (البخاري: النكاح، باب العزل، ح ٥٢١٠. مسلم: النكاح، باب حكم العزل، ح ١٤٣٨).
(٢) في الأصل: بالمواد.
(٣) في الأصل: الامتناع.