للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[نيل الأوطار]

أَنْ يَسْتَعِينَك الرَّجُلُ عَلَى مَظْلِمَتِهِ فَيُهْدِي لَك فَإِنْ أَهْدَى لَك فَلَا تَقْبَلُ

وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ أَحَدُ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ: الْقَاضِي إذَا أَخَذَ الْهَدِيَّةَ فَقَدْ أَكَلَ السُّحْتَ، وَإِذَا أَخَذَ الرِّشْوَةَ بَلَغَتْ بِهِ الْكُفْرَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ اهـ. مَا حَكَاهُ ابْنُ رَسْلَانَ. وَيَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مَنْ اسْتَعَانَ بِهَا عَلَى دَفْعِ مَظْلِمَتِهِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ شَفَاعَةً فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا فَقَبِلَهَا فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا» وَفِي إسْنَادِهِ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ الشَّامِيُّ وَفِيهِ مَقَالٌ. وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ قَبُولِ مُطْلَقِ الْهَدِيَّةِ عَلَى الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأُمَرَاءِ حَدِيثُ «هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ» أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ الْحَافِظُ: وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَلَعَلَّ وَجْهَ الضَّعْفِ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ الْحَافِظُ: وَإِسْنَادُهُ أَشَدُّ ضَعْفًا. وَأَخْرَجَهُ سُنَيْدُ بْنُ دَاوُد فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ جَابِرٍ وَإِسْمَاعِيلُ ضَعِيفٌ وَأَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي تَلْخِيصِ الْمُتَشَابِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ «هَدَايَا الْعُمَّالِ سُحْتٌ» وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ فِي بَابِ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَفْظِ «مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا فَمَا أَخَذَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ فِي أَبْوَابِ الْقَضَاءِ: بَابَ هَدَايَا الْعُمَّالِ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ الْمَشْهُورَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْهَدَايَا الَّتِي تُهْدَى لِلْقُضَاةِ وَنَحْوِهِمْ هِيَ نَوْعٌ مِنْ الرِّشْوَةِ؛ لِأَنَّ الْمُهْدِيَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا لِلْإِهْدَاءِ إلَى الْقَاضِي قَبْلَ وِلَايَتِهِ لَا يُهْدِي إلَيْهِ إلَّا لِغَرَضٍ، وَهُوَ إمَّا التَّقَوِّي بِهِ عَلَى بَاطِلِهِ، أَوْ التَّوَصُّلُ لِهَدِيَّتِهِ لَهُ إلَى حَقِّهِ، وَالْكُلُّ حَرَامٌ كَمَا تَقَدَّمَ

وَأَقَلُّ الْأَحْوَالِ أَنْ يَكُونَ طَالِبًا لِقُرْبِهِ مِنْ الْحَاكِمِ وَتَعْظِيمِهِ وَنُفُوذِ كَلَامِهِ، وَلَا غَرَضَ لَهُ بِذَلِكَ إلَّا الِاسْتِطَالَةَ عَلَى خُصُومِهِ أَوْ الْأَمْنَ مِنْ مُطَالَبَتِهِمْ لَهُ فَيَحْتَشِمُهُ مَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَيْهِ وَيَخَافُهُ مَنْ لَا يَخَافُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْأَغْرَاضُ كُلُّهَا تَئُولُ إلَى مَا آلَتْ إلَيْهِ الرِّشْوَةُ. فَلْيَحْذَرْ الْحَاكِمُ الْمُتَحَفِّظُ لِدِينِهِ الْمُسْتَعِدُّ لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ مِنْ قَبُولِ هَدَايَا مَنْ أَهْدَى إلَيْهِ بَعْدَ تَوَلِّيهِ لِلْقَضَاءِ، فَإِنَّ لِلْإِحْسَانِ تَأْثِيرًا فِي طَبْعِ الْإِنْسَانِ، وَالْقُلُوبُ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهَا، فَرُبَّمَا مَالَتْ نَفْسُهُ إلَى الْمُهْدِي إلَيْهِ مَيْلًا يُؤَثِّرُ الْمَيْلُ عَنْ الْحَقِّ عِنْدَ عُرُوضِ الْمُخَاصَمَةِ بَيْنَ الْمُهْدِي وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَالْقَاضِي لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ وَيَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الصَّوَابِ بِسَبَبِ مَا قَدْ زَرَعَهُ الْإِحْسَانُ فِي قَلْبِهِ، وَالرِّشْوَةُ لَا تَفْعَلُ زِيَادَةً عَلَى هَذَا، وَمِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ امْتَنَعْت عَنْ قَبُولِ الْهَدَايَا بَعْدَ دُخُولِي فِي الْقَضَاءِ مِمَّنْ كَانَ يُهْدِي إلَيَّ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهِ بَلْ مِنْ الْأَقَارِبِ فَضْلًا عَنْ سَائِرِ النَّاسِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَنَافِعِ مَا لَا يَتَّسِعُ الْمُقَامُ لِبَسْطِهِ، أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ

وَقَدْ ذَكَرَ الْمَغْرِبِيُّ فِي شَرْحِ (بُلُوغِ الْمَرَامِ) فِي شَرْحِ حَدِيثِ الرِّشْوَةِ

<<  <  ج: ص:  >  >>