للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

* ومثال آخر عند حديثه عن استئجار الأرض للزراعة، واشتراط إمكان حصول الماء لها، ثم كلامه عن نهر النيل بمصر -وهذا عجيب جداً- والزراعة (البَعْلية) (١) على شاطئيه، وطريقة الري بالحياض، التي تعلمناها في المدارس في كتب الجغرافيا بالخرائط والصور، والشرح والتمثيل. إن من يقرأ كلام الإمام يعجب أشد العجب، كيف أحاط بهذه الأمور بهذه الدقيقة، وهو لم يرحل إلى مصر، وبالقطع لم يقع في يده كتاب من كتب الجغرافيا؛ فإن ذلك شيء لم يكن موجوداً من قبل!!!

وأنا -لمعرفتي بدّقة هذا الكلام- أجزم أن إمام الحرمين استوصف واستفصل من أحد الفقهاء -أو غير الفقهاء- الذين عاشوا في مصر، وعاينوا هذه الأمور.

* وقريب من هذا حديثه في كتاب الزكاة عن بساتين النخيل التي تُطلع مرتين في العام، وعن البساتين التي تحوي أكثر من نوع من النخيل يختلف أوان جدادها، وعمن يملك أكثر من بستان في تهامة ونجد غيرها، وتختلف أوقات الجداد، وكيف تحسب الزكوات في كل حالة، إن من يقرأ كلامه في هذا الموضع يخيل إليه أنه عايش أصحاب هذه البساتين، وعرف أحوالها.

وليس من المعقول أن نقول: إن هذه المعرفة بهذا التفصيل وقعت له عرضاً في السنوات الأربع التي جاور فيها الحرمين الشريفين؛ فإن هذه المعرفة -بهذه الدقة- لا بد أن تكون مقصودة، وتحصيلها والإحاطة بها عن قصدٍ وتتبع.

* ومن هذا أيضاً معرفتُه بمصطلحات التجار، وألفاظ المتعاملين في السوق، واعتمادها في الأحكام، ففي باب بيع المرابحة والحطيطة يذكر المصطلح الدائر على الألسنة باللغة الفارسية، كأن يبيعه بربح (ده يازدة) أو (دو بازدة)، ويعرض لهذه المسألة في الجزء الذي أفرده للجبر والحساب، وألحقه بالوصايا.


(١) الزراعة البعلية في مصر، وهي التي يسمونها أيضاً (ريَّ الحياض): هي التي تعتمد على مياه الفيضان، بمعنى أن يبذر الفلاح البذور في الأرض التي غمرها الفيضان لمدة نحو شهرين - بعد انحسار الماء عنها، ولا تروى بعد ذلك، وأغلب ما يزرع بهذه الطريقة العدس، والفول، ويكون أجود ما يكون عندما يزرع بهذه الطريقة.

<<  <  ج: ص:  >  >>