للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أُنُفاً (١) لا يظهر في أمثالها ضرارٌ من زحمة.

٥٦٣٥ - وتكلم الأصحاب في تخيّر الإنسان مجلساً في المسجد، فأجرى بعضهم تخيّره مجرى تخيّر المقاعد في الشوارع، حتى إذا ظهر ذلك من قصد سابقٍ إلى البقعة، لم يزاحم فيها، والمسجد مشترك كالشارع، ومن ضرورة هذا الحكم أنه إذا فارقها، وعاد إليها، كان أولى بها، على القياس الذي قدمناه في مقاعد الشارع.

وكان شيخي يأبى هذا على هذا الوجه، ووجدت صاحب التقريب على موافقته، والأمر في ذلك مبتوتٌ عندي على هذا الوجه؛ فليس المسجد في ذلك كالشارع؛ فان ما ذكرناه من تخيّر البقاع في الشوارع محمولٌ على غرضٍ ظاهرٍ في المعاملة، ولا يتحقق مثله في المساجد، فبقاع المسجد تضاهي مجالس المتحدثين في الشوارع.

وكان شيخي يثبت أثر التعيين في الصلاة الواحدة، إذا اتفق الخروج والعود، ثم كان يحكي في ذلك وجهين أنه لو رعف بعد الشروع في الصلاة، وخرج ليتهيّأ (٢)، فإذا عاد، لم يُزحم. وهذا وجه.

والآخر أنه لو شهد المسجدَ قبل إقامة الصلاة في اتساع الوقت، ثم أخرجته حاجةٌ، فإذا عاد، كان أولى بمجلسه. وهذا أمثلُ.

ولا نستريب في انقطاع تصرّف الإمام عن [تعيين] (٣) البقاع في المسجد وإقطاعها؛ فإن المساجد لله، والسبق فيها لمن سبق، ولا يظهر في لزوم موضعٍ واحدٍ غرضٌ، كما نصصنا عليه.

فهذا منتهى الكلام في ضم النشر، وإيضاح المقصود، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قام أحدكم من مجلسه في المسجد، فهو أحق به إذا عاد إليه " (٤).

...


(١) أنُفاً: بضم الهمزة والنون: أي جديدة، لم تُرعَ من قبل، ويوصف بها المذكر والمؤنث (المعجم) والمعنى المراد هنا: أنها خصبة وافية كافية لا يظهر فيها ازدحام.
(٢) (د ١)، (ت ٣): بسببها.
(٣) في الأصل: تغيير.
(٤) حديث: إذا قام أحدكم من مجلسه: رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه دون التقييد=