للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقيل يفرّق بينه وبين أليفه.

وقيل يشتّت عليه وقته.

وقيل يلزمه خدمة أقرانه.

والأولى في هذا أن يقال من العذاب الشديد كيت وكيت، وألا يقطع بشىء دون غيره على وجه القطع.

فمن العذاب الشديد أن يمنع حلاوة الخدمة فيجد ألم المشقة. ومن ذلك أن يقطع عنه حسن التولي لشأنه ويوكل إلى حوله ونفسه، ومن ذلك أن يمتحن بالحرص في الطلب ثم يحال بينه وبين مقصوده ومطلوبه. ومن العذاب الشديد الطمع في اسم العذر ثم لا يرتفع «١» .

ومن ذلك سلب القناعة، ومنه عدم الرضا بما يجرى. ومن ذلك توهم الحدثان وحسبان شىء من الخلق.

ومن ذلك الحاجة إلى الأخسّة من الناس. ومن ذلك ذلّ السؤال مع الغفلة عن شهود التقدير ومن ذلك صحبة الأضداد والابتلاء بمعاشرتهم. ومن ذلك ضعف اليقين وقلة الصبر.

ومن ذلك التباس طريق الرّشد. ومنه حسبان الباطل بصفة الحق، والتباس الحقّ في صورة الباطل. ومنه أن يطالب بما لا تتسع له ذات يده. ومنه الفقر في الغربة.

قوله جل ذكره:

[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٢٢ الى ٢٣]

فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)

فلم يلبث الهدهد أن جاء، وعلم أن سليمان قد تهدّده، فقال: أحطت علما بما هو عليك خاف، «وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ» ثم ذكر حديث بلقيس، وأنها ملكتهم، وأن لها من المال والملك والسرير العظيم


(١) عاد القشيري إلى الآية نفسها في رسالته حيث يقول: وقيل في قوله تعالى: لأعذبنه عذابا شديدا- يعنى لأسلبنه القناعة ولأبتلينّه بالطمع يعنى أسأل الله تعالى أن يفعل به ذلك (الرسالة- ص ٨٢) .

<<  <  ج: ص:  >  >>