للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويقال: الخشية من الله تقتضى العلم بأنه يفعل ما يشاء وأنه لا يسأل عمّا يفعل.

ويقال: الخشية ألطف من الخوف، وكأنها قريبة من الهيبة «١» .

«وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ» : لم يقل بنفس مطيعة بل قال: بقلب منيب ليكون للعصاة في هذا أمل لأنهم- وإن قصّروا بنفوسهم وليس لهم صدق القدم- فلهم الأسف بقلوبهم وصدق النّدم.

قوله جل ذكره:

[[سورة ق (٥٠) : آية ٣٤]]

ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)

أي يقال لهم: ادخلوها بسلامة من كل آفة، ووجود رضوان ولا يسخط عليكم الحقّ أبدا.

ومنهم من يقول له الملك: ادخلوها بسلام، ومنهم من يقول له: لكم ما تشاءون فيها قال تعالى:

[[سورة ق (٥٠) : آية ٣٥]]

لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥)

لم يقل: «لهم ما يسئلون» بل قال: «لَهُمْ ما يَشاؤُنَ» : فكلّ ما يخطر ببالهم فإنّ سؤلهم يتحقق لهم في الوهلة، وإذا كانوا اليوم يقولون: ما يشاء الله فإنّ لهم غدا منه الإحسان.. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

«وَلَدَيْنا مَزِيدٌ» : اتفق أهل التفسير على أنه الرؤية، والنظر إلى الله سبحانه «٢» . وقوم يقولون: المزيد على الثواب في الجنة- ولا منافاة بينهما.


(١) يقول الدقاق شيخ القشيري: هي مراتب: الخوف والخشية والهيبة: فالخوف من شرط الإيمان «وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» والخشية من شرط العلم: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» . والهيبة من شرط المعرفة:
«وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» . وقال أبو القاسم الحكيم: الخوف على ضربين: رهبة وخشية فصاحب الرهبة يلتجىء إلى الهرب إذا خاف وصاحب الخشية يلتجىء إلى الرب (الرسالة ص ٦٥) .
(٢) أجمعوا على أن الله تعالى يرى بالأبصار في الآخرة، وأنه يراه المؤمنون دون الكافرين لأن ذلك كرامة من الله تعالى لقوله: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ» . وجوزّوا الرؤية بالعقل وأوجبوها بالسمع وإنما جاز في العقل لأنه موجود، وكل موجود تجوز رؤيته إذا وضع الله سبحانه فينا الرؤية له، ولو لم تكن الرؤية جائزة عليه لكان سؤال موسى عليه السلام: «أرنى أنظر إليك» جهلا وكفرا. وجاء السمع بوجوبه في مثل:

<<  <  ج: ص:  >  >>