للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وللمقال فى هذه الآية مجال ... فيقال: البائع لا يستحقّ الثمن إذا امتنع عن تسليم المبيع، فكذلك لا يستحق العبد الجزاء الموعود إلا بعد تسليم النّفس والمال على موجب أوامر الشرع، فمن قعد أو فرّط فغير مستحق للجزاء.

ويقال لا يجوز فى الشرع أن يبيع الشخص ويشترى شيئا واحدا فيكون بائعا ومشتريا إلا إذا كان أبا وجدا! ولكن ذلك هنا بلفظ الشفقة فالحقّ بإذنه كانت رحمته بالعبد أتمّ، ونظره له أبلغ، وكان للمؤمن فيه من الغبطة ما لا يخفى، فصحّ ذلك وإن كان حكمه لا يقاس على حكم غيره.

ويقال إنما قال: «اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ» ولم يقل «قلوبهم» لأنّ النّفس محل الآفات فجعل الجنة فى مقابلتها، وجعل ثمن القلب أجلّ من الجنة، وهو ما يخصّ به أولياء فى الجنة من عزيز رؤيته «١» .

ويقال النّفس محلّ العيب، والكريم يرغب فى شراء ما يزهد فيه غيره.

ويقال من اشترى شيئا لينتفع به اشترى خير ما يجده، ومن اشترى شيئا لينتفع به غيره يشترى ما ردّ على صاحبه لينفعه بثمنه.

وفى بعض الكتب المنزلة على بعض الأنبياء- عليهم السلام-: يا بنى آدم، ما خلقتكم لأربح عليكم ولكن خلقتكم لتربحوا علىّ.

ويقال اشترى منهم نفوسهم فرهبوا على قلوبهم شكرا له حيث اشترى نفوسهم، وأمّا القلب فاستأثره قهرا، والقهر فى سنّة الأحباب أعزّ من الفضل، وفى معناه أنشدوا:

بني الحبّ على القهر فلو ... عدل المحبوب يوما لسمج

ليس يستحسن فى حكم الهوى ... عاشق يطلب تأليف الحجج

وكان الشيخ أو على الدقاق «٢» رحمه الله يقول: «لم يقل اشترى قلوبهم لأن القلوب وقف على محبته، والوقف لا يشترى» .


(١) أنظر كيف تحتل الجنة المرتبة الثانية بعد رؤية المحبوب- عند هذا الصوفي.
(٢) الدقاق هو شيخ القشيري ورائده وأستاذه وصهره. وقد أشرنا إلى شىء من سيرته فى مدخل هذا الكتاب.

<<  <  ج: ص:  >  >>