للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ولأجل كون القدر سراً من أسرار الله - عز وجل - (١)، وإدراك كنهه وحكمة الله - عز وجل - في عباده غير متحقق من كل وجه؛ فلذلك صار الخائض في القدر بلا دليل عرضة لمزلة القدم، بل لم يخض في القدر أحد بغير حجة وبرهان إلا وزلت قدمه، وتنكب سواء الصراط؛ ولهذا ينبغي أن يتكلم في القدر بما جاء في النص دون زيادة؛ لأنه أمر غيبي، ولا يمكن للعبد أن يخوض في الأمور الغيبية إلا مع الدليل، والمخالفون في القدر كثيرون (٢).

قال ابن القيم - رحمه الله -: " القدر بحر محيط لا ساحل له، ولا خروج عنه لأحد من العالمين، والشرع فيه سفينة النجاة؛ من ركبها نجا، ومن تخلف عنها فهو من المغرقين" (٣).

وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: ((القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وآمن بالقدر؛ تم توحيده، ومن وحد الله، وكذب بالقدر، نقض توحيده)) (٤)، "والقدر هو قدرة الله" كما قال الإمام أحمد - رحمه الله - (٥)، لذا فإن الاختلاف في مسائل التوحيد سينتج بالضرورة اختلافات في مفهوم القدر؛ لأن الإيمان بالقدر متعلق بتوحيد الربوبية خصوصاً، وله تعلق بتوحيد الأسماء والصفات؛ لأنه من صفات كمال الله - عز وجل -، ولا شك أن الإقرار بتوحيد الله وربوبيته لا يتم إلا بالإيمان بصفاته، فمن زعم أن هناك خالقاً غير الله فقد أشرك.

ولفهم هذه القضية وما يندرج تحتها من مسائل متعلقة بموضوع بحثنا، لا بد من التمهيد بتعريف القضاء والقدر في اللغة والمراد به شرعاً، وبيان معناه وأهميته.

أولاً: التعريف بالقضاء والقدر:

o ١ - في تعريف القضاء:

[معنى القضاء لغة]

يقول ابن فارس: " القاف والضّاد والحرف المعتلّ أصل صحيح يدلٌ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه" (٦)، هو بالمدّ، ويقصر، أصله: قَضَايٌ؛ لأنّه من قضيت، إلا أنّ الياء لَمّا جاءت


(١) ينظر: شرح الطحاوية (١/ ٣٢٠)، العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، لابن الوزير (٥/ ٤٣١).
(٢) شرح الطحاوية لآل الشيخ (٢/ ٢٥٠).
(٣) شفاء العليل (١/ ٨).
(٤) رواه الآجري في كتاب الشريعة (ص ٢٤٤)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٤/ ٧٤٢) رقم الأثر (١٢٢٤).
(٥) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد (١/ ١٣٥).
(٦) معجم مقاييس اللغة (ص ٨٩٣).

<<  <   >  >>