للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

المبحث الأول دراسة تحليلية للآيات (١) الدالة على الوسطية.

وفيه مطالبان:

المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الدالة على الوسطية، (الرادة على البدع المتقابلة).

كانت البشرية (٢) قبل نزول القرآن تعج بركام العقائد والتصورات المنحرفة في ذات الله وفي الكون وفي الحياة وفي الإنسان وفي الموت وفي الجزاء وفي الحساب وفي الكتب السماوية وفي رسل الله وفي أقدار الله وقضائه، وأصبحت البشرية بين إفراط وتفريط بعيدة عن الصراط المستقيم، فحادت عن الوسطية والاعتدال والاستقامة، ثم كانت عناية الإسلام (٣) الكبرى موجهة إلى تحرير أمر العقيدة، وتحديد الصورة الصحيحة (٤)؛ فجاء القرآن الكريم مقرراً لمنهج الوسطية في أبواب الاعتقاد، وغيرها من الأبواب والمجالات.

فأخبرنا الله -سبحانه تعالى- عن ذلك التحول وذلك الارتقاء في كتابه، فقال سبحانه: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)} الأنعام: ١٢٢، "حقاً إنه تصوير رائع عجيب .. ! تقف الأقلام حائرة في وصفه، وكذلك الأسلوب القرآني في كل حين؛ تنهل منه الألباب، وتصدر عنه الأساليب وتعجز عن إيفائه حقه من التعبير، من الموت إلى الحياة، ومن الظلمات إلى


(١) ترد مسألة: هل يجوز للإنسان أن يستنبط معاني من نصوص القرآن والسنة لم يستنبطها الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مما لم يختلفوا فيه؟ والجواب: أنه لا شك أن القرآن لا تنقضي عجائبه، ولا يمكن لإنسان بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحيط بكل معانيه وعجائبه؛ قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله في تفسيره: " كتاب الله لا تزال تظهر غرائبه وعجائبه متجددة على مر الليالي والأيام، ففي كل حين تفهم منه أشياء لم تكن مفهومة من قبل، ويدل لذلك حديث أبي جحيفة الثابت في الصحيح أنه لما سأل عليا - رضي الله عنه - هل خصهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء؟ قال له علي - رضي الله عنه -: ((لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله رجلا في كتاب الله)) يدل على أن فهم كتاب الله تتجدد به العلوم والمعارف التي لم تكن عند عامة الناس ... " ثم قال: " لما تقرر عند العلماء من أن الآية إن كانت تحتمل معاني كلها صحيحه، تعين حملها على الجميع؛ كما حققه بأدلته الشيخ تقي الدين أبو العباس ابن تيمية رحمه الله في رسالته في علوم القرآن". أضواء البيان للشنقيطي (٣/ ١٤٨).
(٢) وكذلك العالم الجني كما صورته سورة الجن.
(٣) عناية الإسلام: في أصليه الكتاب والسنة.
(٤) خصائص التصور الإسلامي ومقوماته (ص ٤٢).

<<  <   >  >>