للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولم تَزَلِ العربُ تَمْدَحُ بالوفاءِ، وتَذُمُّ بالغَدْرِ والخُلْفِ، وكذلك سائرُ الأُمَم، واللّهُ أعلمُ. قال سابقُ بنُ خُريم (١):

متى ما يَقُلْ حُرٌّ لطالبِ حاجَةٍ ... نعم يَقْضِها والحُرُّ للوِأْيِ ضامِنُ

والوأْيُ: العِدَةُ.

ولمَّا كان هذا من مكارمِ الأخلاق، وكان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أوْلَى الناسِ بها وأبدَرَهم إليها، وكان أبو بكرٍ خليفتَه - أدَّى ذلك، وقامَ فيه مقامَه، في المَوْضِع الذي كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقِيمُه.

وقد اختلَف الفقهاءُ فيما يلزَمُ من العِدَةِ وما لا يَلْزَمُ منها، وكذلك اختلَفوا في تأخيرِ الدَّيْنِ الحالّ، هل يلزَمُ أم لا يلزَمُ؟ وهو من هذا الباب؛ فقال مالكٌ وأصحابُه: مَن أقْرَضَ رجُلًا مالًا؛ دنانيرَ أو دراهمَ، أو شيئًا ممَّا يُكالُ أو يُوزَنُ، أو غيرَ ذلك، إلى أجَلٍ، أو منَح مِنْحَةً، أو أعارَ عاريَّةً، أو أسْلَف سَلَفًا، كلُّ ذلك إلى أجل، ثم أرادَ الانصرافَ في ذلك وأخْذَه قبلَ الأجَلِ، لَمْ يكنْ ذلك له؛ لأنَّ هذا ممّا يُتَقَرَّبُ به إلى الله عزَّ وجلَّ، وهو من بابِ الحِسْبَة.

قال أبو عمر: ومن الحُجَّةِ لمالكٍ رحِمه الله في ذلك عمومُ قولِه تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ} [الإسراء: ٣٤]. وقولِه عليه السلامُ: "كلُّ معروفٍ صدقة" (٢). وأجْمعوا أنَّه لا يُنصَرَفُ في الصَّدَقاتِ، وكذلك سائرُ الهِباتِ. قال مالكٌ: وأمَّا العِدَةُ مثلُ أنْ يَسألَ الرَّجلُ الرجلَ أنْ يَهَبَ له الهِبَةَ، فيقولَ له: نعم. ثم يبدُو له الَّا يَفعلَ، فما أرَى ذلك يَلْزَمُه. قال مالكٌ: ولو كان ذلك في قضاءِ دَيْنٍ، فسَألَه أن


(١) البيت في تفسير القرطبي ١١/ ١١٥ دون عزو.
(٢) سلف تخريجه في أثناء شرح الحديث الثالث لربيعة بن أبي عبد الرَّحمن عن القاسم بن محمد.

<<  <  ج: ص:  >  >>