للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن الدَّليل على أنّ "عن" محمولةٌ عندَ أهلِ العلم بالحديثِ على الاتِّصالِ حتى يَتبيَّنَ الانقطاعُ فيها، ما حكاه أبو بكرٍ الأثْرَم، عن أحمدَ بنِ حنبل، أنه سُئِل عن حديثِ المُغيرةِ بنِ شعبة، أن النبيَّ عليه السلامُ مسَح أعلَى الخُفِّ وأسفَلَه (١). فقال: هذا الحديثُ ذكَرْتُه لعبدِ الرحمن بنِ مَهْديٍّ، فقال، عن ابنِ المُبارَكِ أنه قال: عن ثَوْر، حُدِّثْتُ عن رَجاءِ بنِ حَيْوَة، عن كاتبِ المُغِيرَة، وليس فيه المُغِيرَة. قال أحمد: وأمَّا الوَليدُ فزاد فيه: عن المُغِيرَة. وجعَله ثَوْرٌ عن رجاء، ولم يسْمَعْه ثَورٌ من رَجاء؛ لأن ابنَ المُباركِ قال فيه: عن ثَوْر، حُدثتُ عن رجاء.

قال أبو عُمر: ألا ترَى أنَّ أحمدَ بنَ حنبل رحمهُ اللَّهُ عاب على الوَليدِ بنِ مسلم قوله: "عن" في مُنقطِع، ليُدخِلَه في الاتِّصال! فهذا بَيانٌ أن "عن" ظاهِرُها


(١) سيأتي الحديث عند المصنف لاحقًا في باب عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة، عن أبيه المغيرة بن شعبة، وهو في الموطأ (١٧٩)، ونعلق عليه هنا باختصار.
الحديث أخرجه أحمد في المسند ٣٠/ ١٣٤ (١٨١٩٧)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ٥/ ١٧٦، وابن ماجة في السنن (٥٥٠)، وأبو داود في السنن (١٦٥)، والترمذي في الجامع (٩٧)، وابن الجارود في المنتقى (٨٤)، وابن المنذر في الأوسط ١/ ٤٥٣، والطبراني في الكبير ٢٠/ ٣٩٦ (٩٣٩)، والدارقطني في سننه (٧٥٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٣٧٧) من طرق عن الوليد بن مسلم، قال: أخبرني ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مسح أعلى الخف وأسفله.
إسناده ضعيف، فيه الوليد بن مسلم وهو شديد التدليس وقد عنعن هنا، والعلة الثانية أن فيه انقطاعًا فلم يسمعه ثور من رجاء ولم يسنده عنه غير الوليد بن مسلم، والعلة الثالثة الإرسال، فليس فيه المغيرة وإنما كاتب المغيرة عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كما نقل ابن عبد البر هنا (وتبين من طريق ابن المبارك) - وضعفه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والدارقطني وغيرهم. انظر: علل ابن أبي حاتم (١/ ٧٨ - ٧٩)، والعلل الكبير للترمذي (٥٦)، وعلل الدارقطني ٧/ ١١٠، وكلامنا المفصّل في جامع الترمذي ١/ ١٤٢ - ١٤٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>