للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أن يَفِرَّ مِن أرضٍ نزَلَ فيها إذا كان مِن ساكنِيها، ولا أن يَقْدَمَ عليه إذا كان خارجًا عن الأرضِ التي نزَل بها، إيمانًا بالقَدَرِ، ودَفْعًا لملامَةِ النَّفْس.

رَوَيْنا مِن حديثِ عائشةَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "فناءُ أُمَّتي بالطَّعْنِ والطَّاعُونِ". قالت: الطَّعْنُ قد عرَفناه، فما الطَّاعُونُ؟ قال: "غُدَّةٌ كغُدَّةِ البعيرِ" تخرُجُ في المرَاقِّ والآبَاطِ. وقد ذكرنا هذا الخبَرَ في بابِ عبدِ الله [بن عبد الله] (١) بنِ جابرِ بنِ عَتِيك (٢).

ورَوَينا أنَّ زيادًا كتَبَ إلى معاويةَ: إنِّي قد ضَبَطتُ العراقَ بيَميني، وشِمالي فارِغَةٌ. فأُخبرَ بذلك عبدُ الله بنُ عمرَ، فقال: مُرُوا العَجائزَ يدعُونَ اللهَ عليه. ففعَلْنَ، فخرَج بإصبَعِه طاعونٌ، فماتَ منه (٣).

ورُويَ مِن حديثِ جابرٍ وغيرِه، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: "الفارُّ مِن الطَّاعُونِ كالفارِّ مِن الزحفِ، والصابرُ فيه كالصَّابِر في الزحفِ" (٤). وقد رُويَ عن عمرَ أنّه نَدِم على انصِرافه مِن سَرْغَ، على أنّه انصَرَف عنه اتِّباعًا للسُّنَّة في حديثِ ابنِ عوفٍ؛ خوفًا أن يكونَ فارًّا مِن القَدَرِ.


(١) زيادة متعينة.
(٢) الموطأ ١/ ٣٢٠ (٦٢٩) وسيأتي تخريجه في موضعه.
(٣) يروى من طرق عديدة عن عائشة رضي الله عنها، فقد أخرجه إسحاق بن راهوية في مسنده (١٣٧٦) من طريق خالد الربعي، عنها.
وأخرجه أحمد في المسند ٤١/ ٤٧٣ (٢٥٠١٨) و ٤٢ (٢٥١١٨) من طريق معاذة بنت عبد الله العَدَوية، عنها.
وأخرجه البزار كما في كشف الأستار (٣٠٤١) من طريق عطاء، عنها. وسيأتي بإسناد المصنّف في سياق شرحه للحديث الثالث من أحاديث محمد بن المنكدر عن سالم أبي النضر.
(٤) ينظر: تاريخ الطبري ٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩، وتاريخ دمشق لابن عساكر ١٩/ ٢٠٣ فيما أخرجاه من طريق عبد الله بن المبارك، عن عبد الله بن شوذب، عن كثير بن زياد أن زيادًا كتب إلى معاوية، فذكراه عندهما بلفظ: "فدعا عليه ابنُ عمَر، فطُعن ومات، فقال ابن عمر حين بلغَه الخبرُ: اذهبْ إليك ابنَ سُميَّةَ، فلا الدُّنيا بقيتْ لك، ولا الآخرة أدركتَ" دون ذكر العجائز.

<<  <  ج: ص:  >  >>