للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هذا حديثُ ابنِ عمرَ. وقد رَوى أبو هريرةَ وغيرُه: "إنَّ المؤمنَ يُعْرَضُ عليه مقعدُه مِن النَّار، فيُقالُ له: انظُر ما نجَّاكَ اللهُ منه. ثم يفتَحُ له (١) إلى الجنةِ، فيقال: انظُرْ ما تَصِيرُ إليه" (٢). هذا معنى الحديث.

فهذه الأقاويلُ كلُّها قد جاءَتْ في معنَى الوُرُودِ في قوله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}، وقد يحتمِلُ أن يكونَ قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "إلّا تحلَّةَ القَسَم" استثناءً مُنقَطِعًا، بمعنى: لكنْ تَحِلَّةَ القَسَم، وهذا معروفٌ في اللغةِ، أن تكونَ "إلّا" بمعنَى "لكن"، على ما ذكرْناه في بابِ زيدِ بنِ أسلم (٣)، قولَ الله تعالى: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ (٤)} [المائدة: ٣]. وإذا كان ذلك كذلك، فقولُه: "لن تَمَسَّه النارُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَم"؛ أي: لا تَمَسُّه النارُ أصلًا. كلامًا تامًّا، ثم ابتدَأ: "إلّا تَحلَّة القَسَم"؛ أي: لكن تَحلَّةَ القَسَم، لا بُدَّ منها في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}، وهو الجوازُ على الصِّرَاطِ أو الرُّؤيةُ، والدُّخُولُ دُخُولَ سلامَةٍ، فلا يكونُ في شيءٍ مِن ذلك مَسِيسٌ يُؤذي.


(١) شبه الجملة لم يرد في د ١.
(٢) هذا معنى ما أخرجه أحمد في المسند ١٦/ ٥٧٨ (١٠٩٨٠) عن حسين بن محمد، عن ابن أبي الزناد عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان، عن أبيه، عن الأعرج عبد الرحمن بن هُرْمز، عن أبي هريرة، وإسناده حسن من أجل ابن أبي الزِّناد، وقد تُوبع، تابعه شعيب بن أبي حمزة عند البخاري (٦٥٦٩) عن أبي الزناد، به بلفظ: "لا يدخل أحدٌ الجنّة إلّا أُريَ مقعدَه من النار لو أساءَ ليزداد شُكرًا، ولا يدخلُ النار أحدٌ إلّا أُريَ مقعدَه من الجنّة لو أحسَنَ، ليكونَ عليه حسرة". ولم نقف على اللفظ الذي ساقه ابن عبد البرّ فيما بين أيدينا من المصادر، وإنما ساقه بالمعنى كما ذكر.
(٣) سلف ذلك في سياق شرحه للحديث الثامن والثلاثين من أحاديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، وذكر فيه أن هذا مذهب الخليل وسيبويه والفرّاء، وذكرنا فيه زيادة توضيح مما ورد في هذه المسألة.
(٤) قوله: "أن تكون إلا ... " إلى هنا سقط كله من م.

<<  <  ج: ص:  >  >>