للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قالوا: وهُو المعرُوفُ من كلام العربِ في معنى الاسْتِيفاءِ، بدليلِ قول الله عزَّ وجلَّ: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ} [المطففين:٢ - ٣]. وقوله: {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} [يوسف:٨٨]. و {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ} [الإسراء: ٣٥].

قالوا: فما بِيعَ من الطَّعام جُزافًا، لا يُحتاجُ إلى كَيْلهِ، فلم يبقَ فيه إلّا التَّسليمُ، وبالتَّسليم يُسْتوفَى، فأشْبَه العَقارَ والعُرُوض، فلم يَكُن ببيعِهِ بأسٌ قبلَ القَبْضِ، بعُمُوم قول الله عزَّ وجلَّ: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: ٢٧٥].

هذا جُملةُ ما احتجَّ به أصحابُ مالكٍ، لقولهِ في ذلكَ.

وجعل بعضُهُم هذا الحديث من بابِ تلقِّي السِّلع، وقال: إنَّما جاءَ النَّهيُ في ذلكَ، لئَلّا يترابَحُوا فيه بينهُم، فيُغلُو السِّعرُ على أهل السُّوقِ، فلذلكَ قِيلَ لهم: حوِّلُوهُ (١) عن مكانِهِ، وانقُلُوهُ، يعني إلى أهلِ السُّوقِ.

وهذا تأويلٌ بعيدٌ فاسِدٌ، لا يَعْضدُهُ أصل، ولا يقومُ عليه دليل، ولا أعلمُ أحدًا تابَعَ مالكًا من جَماعةِ فُقهاءِ الأمصارِ على تَفرِقتِهِ بين ما اشْتُري جُزافًا من الطَّعام، وبين ما اشْتُري منهُ كيلًا، إلّا الأوزاعيَّ، فإنَّهُ قال: منِ اشْتَرى طعامًا جُزافًا فهلكَ قبل القَبْضِ، فهُو من مالِ المُشْتري، وإنِ اشْتراهُ مُكايَلةً، فهُو من مال البائع. وهُو نصُّ قول مالكٍ. وقد قال الأوزاعيُّ: منِ اشْتَرى ثَمَرةً، لم يَجُز لهُ بيعُها قبلَ القبضِ. وهذا تناقُضٌ.

وأحسنُ ما يُحتجُّ به لمالكٍ في قولهِ هذا، ما حدَّثناهُ (٢) عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا تميمُ (٣) بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسكينٍ. وحدَّثنا


(١) في م: "حولوا"، والمثبت من الأصل وغيره.
(٢) في م: "حدثنا".
(٣) في الأصل: "قاسم"، خطأ، وهو تميم بن محمد بن أحمد بن تميم، أبو جعفر التميمي. انظر: تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي ١/ ١٥٢، وترتيب المدارك ٦/ ٢٦٨، وسير أعلام النبلاء للذهبي ١٣/ ٥٧٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>