للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وممَّن ذهَبَ إلى أنَّ المِسكِينَ أحسنُ حالًا من الفقِيرِ: الأصْمَعِيُّ، وأبو جعفرٍ أحمدُ بن عُبيدٍ، وهُو قولُ الكُوفيِّين من الفُقهاءِ: أبي حنِيفةَ وأصحابه، ذكر ذلك عنهُمُ الطَّحاوِيُّ، وهُو أحدُ قولي الشّافِعِيِّ (١).

وللشّافِعِيِّ رحِمهُ اللَّه قولٌ آخرُ، أنَّ الفقِير والمِسكِينَ سواءٌ، ولا فرقَ بينهُما في المعنى، وإنِ افترقا في الاسم.

وإلى هذا ذهَبَ ابنُ القاسم، وسائرُ أصحابِ مالكٍ، في تأوِيلِ قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: ٦٠].

وأمّا أكثرُ أصحابِ الشّافِعِيِّ، فعلى ما ذهَبَ إليه الكُوفيُّون في هذا البابِ، واللَّهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ.

وقال أبو بكر ابنُ الأنبارِيِّ: المِسكِينُ في كَلام العربِ: الذي سَكَّنهُ الفقرُ، أي: قلَّلَ حَرَكتهُ، واشتِقاقُهُ من السُّكُونِ، يُقالُ: قد تمَسْكَنَ الرَّجُلُ وتَسَكَّنَ: إذا صارَ مِسكِينًا، وتمَدرَعَ الرَّجُلُ وتَدرَّعَ: إذا لبِسَ المِدْرَعةَ.

وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الصَّدقةَ على أهلِ السَّترِ والتَّعفُّفِ، أفْضَلُ مِنها على السّائلِينَ الطَّوّافِينَ.

حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن أبي سليمانَ، قال: حدَّثنا سُحنُون، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني أشْهَلُ بن حاتِم، عنِ ابنِ عَوْنٍ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، قال: قالَ عُمرُ: ليس الفَقِيرُ الذي لا مالَ لهُ، ولكنَّ الفقِير الأخلقُ الكَسْبِ (٢).


(١) انظر: الإشراف لابن المنذر ٣/ ٨٩، ومختصر اختلاف العلماء ٥/ ٣١، وانظر فيهما ما بعده.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١٤/ ٣٠٨ (١٦٨٣٣) من طريق ابن عون، به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨١٨ (١٠٣٥١) من طريق ابن سيرين، به.

<<  <  ج: ص:  >  >>