للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ونحن - بحمدِ الله وعونِه - نذكُرُ هاهنا ما في حديثها من الأحكام التي تُوجبُه ألفاظُه، ونُبيِّنُ ما رُويَ مما يُعارِضُه ويُوافقُه، ويوضِّحُ القولَ فيه بمبلَغ علمِنا، على مذاهبِ أهلِ العلم، مختصَرًا كافيًا، إلى ما قَدَّمْنا من القولِ في كثيرٍ من أحكام حديثِ بَريرَةَ في بابِ ربيعة (١). وبالله عونُنا، لا شريكَ له.

في هذا الحديث من الفقه: استعمالُ عُموم الخطابِ في قوله: {فَكَاتِبُوهُمْ} [النور: ٣٣]، لأنه دخل في ذلك الأمَةُ ذاتُ الزوج وغيرُها؛ لأنَّ بَريرَةَ كانت ذاتَ زوج خُيِّرَتْ تحتَه إذ أُعتِقَتْ.

وفيه: جوازُ كتابةِ الأمَةِ دونَ زوجِها، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ زوجَها ليس له منعُها من السَّعْي في كتابتِها. ولو استدلَّ مُستدِلٌّ من هذا العنى بأنَّ الزوجةَ ليس عليها خدمةُ زوجِها، كان حسنًا.

وفيه: دليلٌ على أنَّ العبدَ زوجَ الأمَةِ ليس له منعُها من الكتابَةِ التي تؤولُ إلى عتقِها وفراقِها له، كما أن لسيِّدِ الأمَةِ عِتْقَ أمَتِه تحتَ العبد، وإن أدَّى ذلك إلى إبطالِ نكاحِه، وكذلك له أن يبيعَ أمَتَه من زوجِها الحُرِّ، وإن كان في ذلك بُطلانُ نكاحِه.

وفيه: دليلٌ على جوازِ نكاحِ العبدِ الحرة، لأنها إذا خُيِّرَتْ فاختارَتْه بَقيَتْ معه وهي حرةٌ وهو عبدٌ.

وفيه: أن المُكاتَبَ جائزٌ له السؤالُ والسعْيُ في كتابتِه والتكسُّبُ بذلك، وجائزٌ لسيِّدِه أن يُكاتبَه وهو لا شيءَ معه، ألا تَرى أنَّ بَريرَةَ جاءت عائشةَ تُخبرُها بأنّها كاتبَت أهلَها وسألَتها أن تُعينَها، وذلك كان في أولِّ كتابتِها قبلَ أن تُؤدِّيَ منها شيئًا. كذلك ذكَر ابنُ شهاب، عن عُروةَ في هذا الحديث.

روى ابنُ وَهْب، عن يونسَ والليث، عن ابنِ شهاب، عن عُروةَ، عن عائشة،


(١) وهو ابن عبد الرحمن، وقد سلف ذلك في الحديث الثالث له، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها، وهو في الموطأ ٢/ ٧١ (١٢٦٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>