للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وليس معنى هذا أن الشهوات كلها ممنوعة على المسلم، وإنما معناه أن لا يكون الإنسان متبعًا هواه في الشهوات.

أما أخذ الشهوة من حيث أبيحت فلا إثم فيه، قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: ٣٢] .

وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

((وفي بضع أحدكم صدقة)) قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال فإن له أجرًا)) (١) .

فالضابط أن يكون الهوى تابعًا للشرع، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به)) (٢) .

٢- أن تكون الرخصة فيما أذن فيه شرعًا، مثال ذلك أن يكون السفر في غير معصية، كالسفر في الجهاد والحج وطلب العلم والتجارة في المباح، أما إذا كان السفر في معصية كالسفر لقطع الطريق، أو للتجارة بالمحرمات كالخمر ونحوها، فلا يؤخذ فيه بالرخصة عند الجمهور.

قال السيوطي: " الرخص لا تناط بالمعاصي ومن ثم لا يستبيح العاصي بسفره شيئًا من رخص السفر كالقصر والجمع والفطر " (٣) مع أن في المسألة اختلافًا بين العلماء، قال العلامة سيدي عبد الله في " مراقي السعود ":

وهي في المأذون شرعًا توجد وغيره فيه لهم تردد

وذكر في نشر البنود أن الخلاف في أخذ العاصي بالترخيص سببه اختلاف المفسرين في قوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} [البقرة: ١٧٣] هل هو الأكل، أو السبب الموصل للاضطرار؟ (٤) وممن قال من المالكية بأخذ العاصي بالرخصة: القرطبي وسند وابن عبد السلام وابن مرزوق، وهو المذهب عند الحنفية (٥) .

وممن قال بعدم أخذ العاصي بالرخصة من المالكية ابن العربي وابن عبد السلام وخليل (٦) وهو المذهب عند الشافعية والحنابلة (٧) .

٣- أن يكون سبب الرخصة قطعيا أو ظنيا لا مشكوكًا فيه، لأن الشك لا تناط به الأحكام، أما الظن فقد أجريت عليه الأحكام مجرى القطع، قال الشيخ محمد الخضري بك: " فقد قام الدليل القطعي على أن الأدلة الظنية تجري في فروع الشريعة مجرى الأدلة القطعية متى ثبت أن غلبة الظن معتبرة فلتعتبر في الرخص" (٨) .


(١) صحيح مسلم ٢ / ٦٩٧ – ٦٩٨.
(٢) هذا الحديث هو ٤١ من الأربعين النووية، قال النووي: رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح.
(٣) الأشباه والنظائر ص ٢٦٠.
(٤) نشر البنود على مراقي السعود ١ / ٥٧.
(٥) نشر البنود على مراقي السعود ١ / ٥٧ وأحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٨، والمجموع للنووي ٤ / ٣٤٣ – ٣٤٤.
(٦) نشر البنود ١ / ٥٨، ومختصر خليل ص ٢٠، ٤٤.
(٧) المجموع للنووي ٤ / ٣٤٣، والمغني ٣ / ٢٦١ – ٢٦٢.
(٨) أصول الفقه للشيخ محمد الخضري بك ص ٧٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>