للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[كيف يتصرف العامل عليها فيها]

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث الجباة الذين هم عمال الزكاة العاملون عليها لجبايتها، ويبعثهم لتفريقها وإعطائها لمستحقيها، ومن ذلك ما في حديث معاذ هذا الذي رواه ابن عباس، وكان مبعث معاذ إلى اليمن في أول سنة عشر، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم سنة إحدى عشرة وهو باليمن، بعثه يدعوهم إلى الله، ولهذا قال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) أي: يدعو إلى الإسلام، وبعثه معلماً وذلك لأنه من أعلم الصحابة بكتاب الله وبأحكام الله كما شهد له بقوله: (أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) .

وبعثه يفرق الزكاة بعد جبايتها، وقال له في هذا الحديث: (واتق دعوة المظلوم) يعني: لا تأخذ منهم أكثر من الواجب عليهم فوظيفته أنه يدعوهم إلى الله تعالى وإلى الإسلام، وبعد ذلك يعلمهم الأحكام والشرائع، ثم بعد ذلك يقبض منهم الحقوق التي عليهم، يقبض الزكاة ويفرقها، ويقبض الجزية ممن هي عنده ويرسلها إلى المدينة، أو يعطي منها من هو مستحق، وهكذا كان عمله الذي بعث به، ويقضي بينهم فيما اختلفوا فيه، فهذا شخص واحد وصحابي واحد بعث إلى قطر من الأقطار ودولة من الدول مترامية الأطراف، وهو وحده قام بهذه الأعمال كلها، قام بالدعوة إلى الله، وقام بجباية الزكوات وتفريقها، وقام بالقضاء بينهم عند اختلافهم، وقام بتعليمهم ما يخفى عليهم من أحكام الله وشرائعه.

وأوصاه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وأخبره بأن فيهم أهل كتاب، أي: من هم من أهل الكتاب يهوداً أو نصارى، وذلك لأن أهل الكتاب معهم شيء من الجدل، ومعهم شيء من الحجج، فلابد أن يلقاهم مستعداً لمخاصمتهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن حتى يظهر الحق على باطلهم، وهكذا كان معاذ رضي الله عنه كلما لقي من عنده شيء من الشبهات أزالها وخاصمهم إلى أن يقبلوا الحق وينيبوا إليه.

فأولاً كان يبدأ بالدعوة إلى التوحيد، وذكر في هذا الحديث إحدى الشهادتين؛ وذلك لأن فيها النزاع؛ لأنهم كانوا يقولون: (لا إله إلا الله) ، ولكن يجعلون معه آلهة أخرى وإن لم يسموها آلهة، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم يعظمون الأموات، وإذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره وصوروا صورته وعظموها، وذلك تعظيم وتأليه لها وإن لم يسموها آلهة، فقد بطل بذلك توحيدهم، فأمره بأن يجدد لهم التوحيد، وأن يحققوا كلمة لا إله إلا الله.

ولا شك -أيضاً- أنه لابد من الشهادة الثانية، وهي الشهادة بأن محمداً رسول الله، وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام هو الواسطة، وهو الذي أمره بأن يدعو إلى التوحيد، فلابد أن يشهد العبد له بالرسالة حتى يتلقى الشريعة منه، ويتلقى رسالته التي هي هذا الدين.

بعد ذلك أمره بأن يدعوهم إلى الصلاة؛ لأنها عمود الإسلام، فإذا دخلوا في الإسلام بالشهادتين فكأنهم دخلوا في الدين، والدين لابد أن يكون قائماً، والصلاة عماد الدين، فهي بمنزلة عمود الخيمة الذي لا تقوم الخيمة إلا عليه، فأمره بأن يؤكد لهم هذه الصلاة، وأن يخبرهم بأنها فريضة، ويخبرهم بأنها خمس صلوات في كل يوم وليلة، ولم يذكر له النوافل لأنها زائدة، ولأن معاذاً رضي الله عنه سيخبرهم بالنوافل وبالرواتب وبالوتر وبذوات الأسباب من العبادات ونحو ذلك، اكتفاءً بأنه كان من أعلم الصحابة بالأحكام، فاكتفى بمعرفته، واكتفى بعلمه.