للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

تناول الصائم مفطراً ناسياً

أما الحديث الثاني ففيه أن الله سبحانه وتعالى رفع النسيان والإثم عليه عن الصائم، يقول صلى الله عليه وسلم: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه) .

ومعلوم أن الصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والوقاع في نهار رمضان، ومعلوم أن الإنسان محل النسيان، وأنه كثيراً ما تعتريه الغفلة، وكثيراً ما يسهو وينسى صيامه، سيما إذا كان غير معتاد للصيام وغير منتبه له، فقد يقع منه نسيان صيامه فيتعاطى أكلاً أو شرباً، ففي هذه الحال لا يؤاخذه الله بذلك، وقد وردت الأدلة في عدم المؤاخذة بالنسيان، قال الله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:٢٨٦] ، وقال تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب:٥] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (رُفع -أو: وضع- عن أمتي الخطأ والنسيان) ، وفي رواية: (إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان) ، فالله تعالى لا يؤاخذ على النسيان؛ لأن الإنسان طبيعته النسيان، كما قيل: وما سمي الإنسان إلا لنسيه ولا القلب إلا أنه يتقلب فإذا فعل شيئاً من هذه المحظورات وهو ناسٍ صيامه فلا يضره، حتى إن السهو والنسيان يقع في الصلاة ولا يبطلها، بل تجبر بسجدتي السهو كما هو معروف، فالسهو في الصلاة يجبر بالسجود، وأما السهو في الصيام وتعاطي أكل أو شرب فإنه يقع، فحينئذ يكمل صيامه، ويقال: أتم صيامك؛ فإن الله هو الذي أطعمك وهو الذي سقاك.

أي: يسر لك ذلك وأعطاك ما أعطاك.

فعليه أن يتم صيامه، ولا ينقص ذلك من أجره.

ويبقى أن تقول: إذا رأيته يأكل وأنا أعرف أنه ناسٍ هل أذكره أو لا أذكره؟ وكيف أذكره والله هو الذي أطعمه وسقاه؟ نقول: عليك أن تذكره؛ لأنه يحب ذلك، فالصائم يحب أن يتم صيامه، ويحب أن يكمله، ويحب أن يكون صومه أعظم أجراً، وذلك يتصور فيما إذا أكمل الصيام كما ينبغي، فكلما كان الصوم أشق وأكثر تعباً كان الأجر أكثر، فهو يحب ذلك.

وأيضاً فإن هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا رأيته يأكل فإن عليك أن تأمره بالإمساك فهو من المعروف، وتنهاه عن الأكل فهو من المنكر.

وأيضاً فإن في تركه والناس ينظرون شيئاً من التهاون في أحكام الصيام وإساءة للظن به، حتى يظن أكثر الناس أنه لا يبالي بالصوم، وأنه لم يكن ممن صام وأنه وأنه، فلأجل ذلك يقولون: عليك أن تذكره.

ثم هل يلحق الجماع بذلك لو وطئ وهو ناسٍ، فهل يلحق بذلك ويقال: أتم صومك ولا شيء عليك؟ تكلم العلماء في ذلك، وأكثرهم يقولون: لا يكون.

وذلك لأن الجماع غالباً تطول مدته، ثم الجماع يكون بين اثنين، وغالباً أنه لا يتصور السهو والنسيان من الزوجين، ولكن لو قدر نسيان الزوجة والزوج معاً واجتماعهما على الجماع ولم ينتبها ولم يعرفا إلا بعد الانفصال، أو بعدما تذكرا انفصلا.

ففي هذه الحال نقول: يعفى عنه لدخوله في الأدلة، ولا يؤاخذ بذلك، هذا الذي اختاره كثير من المحققين؛ فإنه داخل في قوله: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:٢٨٦] .