للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولذلك يمكن إجمال أقوالهم في المسألة على الوجه التالي:

- أكثر المتأخرين اشترطوا لصحة التقليد عدم التلفيق.

- وأجازه قوم مطلقًا.

- وقيد بعضهم بشرط عدم تتبع الرخص المفضية إلى الانحلال والفجور.

وهنا يصل بنا الكلام أن موقف المجتهدين من التقليد الذي يبتني عليه التلفيق فنقول: الاجتهاد على قسمين: اجتهاد مطلق، واجتهاد مقيد.

- أما أهل الاجتهاد المطلق: فلا يجوز لهم تقليد غيرهم مطلقًا، وإنما الواجب عليهم العمل باجتهادهم (١) .

- أما أهل الاجتهاد المقيد: فيجب عليهم تقليد أهل الاجتهاد المطلق في أصول مذاهبهم فقط دون الفروع.

- أما غير المجتهدين: فهم عامة الناس، فلا يجب عليهم التزام العمل بمذهب معين من المذاهب الأربعة على القول الراجح. إنما مذهبه مذهب مفتيه فأي فقيه أفتاه جاز له العمل بقوله (٢) .

لمحة تاريخية

لم يكن التلفيق بهذا الوصف معهودًا عند السلف ليقرروا أحكامه، كما أن الأئمة وأصحابهم لم يدرجوه في مدوناتهم وأمهات كتبهم. وإنما هو من مخترعات الخلف ومحدثاتهم، ولا يبعد أن يكون حدوث هذا البحث في القرن الخامس حيث اشتد التعصب المذهبي.

قال ابن أمير حاج: انطوت القرون الفاضلة على عدم التمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده في دينه في كل ما يأتي ويذر دون غيره، حتى قال ابن حزم: أجمعوا أنه لا يحل لحاكم ولا مفت تقليد رجل فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله؛ بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به؛ لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال وبصر بالمذاهب على حسبه، أو لمن قرأ كتابا في فروع ذلك المذهب وعرف ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله.

وأما من لم يتأهل لذلك البتة، بل قال أنا حنفي أو شافعي أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول.


(١) الغزالي: المنخول (ص ٤٧٦) .
(٢) ابن نجيم: البحر الرائق ٢ / ٦٠، باب قضاء الفوائد. والكمال بن الهمام ٧ / ٢٥، والدهلوي: الاجتهاد (ص ٦ – ٧) .

<<  <  ج: ص:  >  >>