للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقد استند القائلون بوجود أصل شرعي يحكم الاحتياط في كل مورد مشتبه مطلقًا أو فيه شبهة تحريم إلى كثير من النصوص الشريفة نذكر منها ما يلي:

١- قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: ١٩٥] .

وقد نوقشت دلالة الآية على ذلك بأنها ربما كانت تحوي نهيا إرشاديًا إلى أن الانفاق المذكور في المقطع السابق على الآية الشريفة، يجب أن لا يكون إلى الحد الذي يوجب الإفلاس والتعرض إلى الهلاك وهو احتمال قربة المرحوم الصدر (١) . أو أنها ترشد إلى لزوم الانفاق في الجهاد وإلا تعرضت البلاد للفناء كما جاء في بعض التفاسير من قبيل تفسير الإمام الرازي (٢) . ومن الواضح أن الاستدلال يبطل مع هذا الاحتمال.

ثم إننا هنا نشك في أن العمل بهذه الذريعة فيه هلكة فيكون المورد من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية وهو باطل.

ثم إن النهي لو أريد به النهي عن التهلكة الأخروية لم يعد نهيًا مولويًا وإنما هو نهي إرشادي لأنه يعد من شؤون الطاعة والعصيان وهي لا تقبل جعلًا شرعياً (٣) .

٢- قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: ٥٩] .

فيقال إن الآية الشريفة تنهى عن تقحم الشبهة وتأمر بالرد إلى الله والرسول. إلا أن من المحتمل أنها تشير إلى موارد النزاع لا الشك في الحكم، وربما كانت تركز على النزاع في الأمور العامة باعتبار وروها بعد قوله تعالى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: ٥٩] ثم إن الرد إلى الله يعني تحكيم شريعة الله لا الرجوع إلى الأهواء وهو أجنبي عن موردنا الاستدلالي.


(١) بحوث في علم الأصول ج٢ ص٨٣
(٢) التفسير الكبير للفخر الرازي ج٥ ص ١٣٦
(٣) راجع أصول الفقه المقارن ص ٤٦٩

<<  <  ج: ص:  >  >>