للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بل يغور في الموضوع أكثر فيقول: "فإن ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه، والله أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأمارته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة فلا يجعله منها ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين ليست مخالفة له (١) .

إذًا فالجهل بشروط التنزيل للعلم على الوقائع المستجدة، والغفلة عن مقاصد الشرع، جعل عند متزمتي الفقهاء أن يقفوا عند حدود ظاهر النص ولا يتعداه، ويستشكل مع ذلك عدو الشريعة عن متابعة تطور الواقع ومواكبة مستجدات مشاكله، وهذا الأمر نجده متسعاً عند ابن تيمية وتلميذه ابن القيم فيما يسميانه (بالسياسة الشرعية) التي تتسع عندهما لتشمل كل سياسة عادلة ممكنة، والذي يؤكد ذلك ما طرحه ابن القيم: مسؤولية رجل العلم في الفهم والفتوى، ودوره في عملية الإنقاذ بعد التراجع الأكبر، حين اعتبر العالم (المدرك لمقاصد الشرع الفقيه في التنزيل على الواقع الملتزم بتبليغ العلم المتصف به) (٢) مكلفاً بمسؤولية التوقيع عن رب العالمين، فإذا كانت الإشادة واقعة خاصة في هذا الدين بمنصب التوقيع عن الملوك فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؛ فحقيق بمن أقيم فيه ولا يكون قي صدره حرج من قول الحق والصدع به (٣) .

ومحل فقه التنزيل هو في النصوص التي تتضمن متغيرات، وهي التي فيها مجال الاجتهاد أوسع وأرحب وفقاً لسببين:

الأول: استنباط الحكم الملائم للواقعة، حيث يستنبط من النص الظني لا القطعي.

الثاني: الاجتهاد في التطبيق على الوقائع بظروفها وملابساتها.

وتعليل هذا الكلام ما قاله الشاطبي: "لأن الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره، فلابد من حدوث وقائع لا تكون منصوصاً على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد، وعند ذلك: فإما أن يترك الناس فيها مع أهوائهم، أو ينظر فيها بغير اجتهاد شرعي، وهو أيضاً اتباع للهوى وذلك كله فساد فلا يكون بد من التوقف لا إلى غاية، وهو معنى تعطيل التكليف لزوماً وهو مؤد إلى تكليف ما لا يطاق؛ فإذا لابد من الاجتهاد في كل زمان، لأن الوقائع المفروضة لا تختص بزمان دون زمان " (٤) .

ويذكر في بداية كلامه عن الاجتهاد: "الاجتهاد على ضربين أحدهما: لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف، وذلك عند قيام الساعة " (٥) .

والحال يحكي هذا، ومن الأمثلة: النقود الورقية؛ فالتعامل زمني النبي صلى الله عليه وسلم كانت النقود فيه مسكوكة من الذهب والفضة بيعاً وشراء وقرضاً وقسمة وتبرعاً وإيصاءً وتحبيساً، ولكن في عصرنا الحاضر انتهى دور الذهب والفضة واستبدل العالم النقدين بالأوراق النقدية، وهذه الأوراق النقدية لا نجد نصاً من كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم يتحدث عنها أو قول للفقهاء، فمسألة عدم الاعتبار كونها مساوية للذهب والفضة خطرة، فالأوجب اعتبارها، وهذا ما حدث وكان قرار المجمع الفقهي في مكة المكرمة –د- ٧ / ٢ – ١٤٠٦ هـ: أن العملة الورقية نقد قائم بذاته له حكم النقدين من الذهب والفضة.


(١) الطرق الحكمية، ص ١٣.
(٢) الطرق الحكمية، ص ١٤.
(٣) إعلام الموقعين: ١ / ٨ – ٩.
(٤) الموافقات: ٤ / ٧٥.
(٥) الموافقات: ٤ / ٧٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>