للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الرأي الثالث

يرى جمهور العلماء من فقهاء الأمصار أن منع الولد مكروه نظرًا لحق الأمة فيه، قالوا: قد رويت كراهته عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم؛ لأن فيه تقليل النسل، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الزواج تكثيرًا للنسل، فقال: ((تناكحوا تكثروا)) وقال ((سوداء ولود خير من حسناء عقيم)) .

هذا رأيهم في منع الولد من جهة حق الأمة فيه أما من جهة حق الزوجين فأفتوا بالحرمة إذا عزل الرجل بغير رضا زوجته، وقالوا جميعًا إذا دعت إليه حاجة مهمة في نظر الشرع جاز من غير كراهة، وقد مثلوا لتلك الحاجة بأن يكون الزوجان في الجهاد ويخاف على الزوجة أن يضعفها حملها مع مشقة السفر والجهاد، أو يخاف أن يولد لهما ولد في دار الحرب وليس عندهما من وسائل الراحة والصحة ما يطمئنان به، ومن أصحاب هذا الرأى موفق الدين بن قدامة الحنبلي ومنهم الإمام النووي الشافعي المتوفى سنة ٦٧٦ (١) .

الرأى الرابع

يرى جماعة منهم ابن حبان وابن حزم، تحريم منع الولد مطلقًا، وقد غلب على هؤلاء حق الأمة في الولد على حق الوالدين، وقالوا: إن في العزل قطع النسل المطلوب شرعًا من الزواج، وفيه أيضًا صرف السيل عن واديه، مع حاجة الطبيعة إليه واستعدادها للإنبات والإثمار لما ينفع الناس ويعمر الكون.

الأحاديث التي يستدل بها على تحريم منع الحمل وتعليق بعض العلماء عليها:

يستدل بعض الفقهاء على تحريم منع الحمل بأحاديث منها: قوله صلى الله عليه وسلم ((من ترك النكاح مخافة العيال فليس منا)) ومنها: ما رواه مسلم وأحمد من حديث عائشة رضي الله عنها عن جذامة بنت وهب قالت: ((حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس فسألوه عن العزل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك الوأد الخفي)) يحتج القائلون بتحريم العزل بأن هذا الحديث ناسخ لأحاديث الإباحة ومما يستدل به على تحريم العزل ما رواه مسلم في صحيحه أيضًا عن ابن محيرز أنه قال: دخلت أنا وأبو صرمة على أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، فسأله أبو صرمه فقال: يا أبا سعيد هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر العزل؟ فقال: نعم غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بلمصطلق يعني بني المصطلق فسبينا كرائم العرب فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء فأردنا أن نستمتع ونعزل فقلنا: نفعل ورسول الله بين أظهرنا ألا نسأله؟ فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((لا عليكم ألا تفعلوا ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون)) .

ويستدل أيضًا على التحريم بما روي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: العزل هو الوأد الأصغر.


(١) الإسلام شريعة وعقيدة للشيخ محمود شلتوت ص ٢٢٣

<<  <  ج: ص:  >  >>