للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هذا، ومن المسلم أن لكل جماعة الحق في اختيار من تؤمر عليها وتوكل إليه تصريف شؤونها وتدبير أحوالها. والأمة الإسلامية أو الشعوب الإسلامية من حقها أن تختار ولا يجوز أبدًا أن يفرض عليها من يحكمها لأن حاكم المسلمين – كما كان الخليفة – من أهم واجباته وأقدسها صيانة الدين والعقيدة والاجتهاد في تحقيق المصلحة العامة للأمة أو الجماعة التي يلي أمرها. ولذلك، فإن السلطة عند المسلمين لا تطلب لذاتها وإنما تطلب من أجل أنها الأداة الفعالة في سبيل الدعوة إلى الله ومن أجل الحفاظ على المجتمع الإسلامي سليمًا معافى متكافلًا ناميا متطورًا متقدمًا. وهل يتحقق ذلك مع القوميات أو الوطنيات؟ وهي مدعاة إلى تقسيم الأمة الواحدة إلى طوائف متباغضة متناحرة تحكمها مناهج وضعية أملتها الأهواء، وتفصل بين وحداتها حدود مصطنعة وأجناس متغايرة مفوتة عليها الأخوة في الله والمواطنة الصادقة النابعة من العقيدة المشتركة.

إن المسلمين لا يفرقون بين ملكية وجمهورية إذا كان الحاكم مسلمًا أمينًا تتوفر فيه شروط الإمامة التي نص عليها الفقهاء في كتب السياسة الشرعية كالماوردي في الأحكام السلطانية واختارته الأمة عن رضا وأسلمته مقاليد أمورها. ولكنهم يخلعون حكمه ويرفضونه إن كان ديكتاتوريًّا لأن النظام الإسلامي يقوم على الشورى والبيعة، وتقييد سلطة الحاكم والحق في عزله، والحكومة الإسلامية لا هي ثيوقراطية دينية، كما كانت تدعي الكنيسة أنها تستمد سلطتها من الله، لأنها تستمدها من الجماعة الإسلامية التي بايعتها ولا هي ديمقراطية لأن هذه وإن اتفقت مع الإسلامية في حرصها على تحقيق العدالة والحرية والمساواة، فإنها تختلف عنها من حيث عدم تقييد الحاكمين والمحكومين في تصرفاتهم وأعمالهم وعلاقاتهم بما أنزل الله.

وإنما هي نظام متميز تسوده الشورى لقوله جل وعلا لنبيه: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (١) . {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (٢) .

وقوله سبحانه: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} (٣) .

ويحفظه تقييد سلطة الحاكم خلافًا لما كان عليه الحكم المطلق الاستبدادي الذي لا حد له ولا قيد عليه والذي كان مهيمنًا في كثير من البلاد قبل الإسلام.

وهكذا بعد أن كانت علاقة الحاكمين والمحكومين تقوم على القوة البحتة أصبح أساسها في ظل الإسلام تحقيق المصلحة العامة لا قوة الحاكمين ولا ضعف المحكومين، وأعطيت الجماعة حق اختيار راعيها ووضعت لسلطة الحاكم حدود لا يتعداها، فإن تجاوزها كان عمله باطلًا وجاز للجماعة عزله. ومبدأ الحكم في الإسلام: الاستخلاف في الأرض لإقامة حكم الله فيها.


(١) سورة آل عمران: الآية ١٥٩.
(٢) سورة الشورى: الآية ٣٨.
(٣) سورة النساء: الآية٨٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>