للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

سلامًا"، وسلامُ إبراهيم تضمَّن جملة اسمية؛ لأن رفعه يدلُّ على أن المعنى: "سلام عليكم"، والجملة الاسمية تدل على الثبوت والتقرر، والفعلية تدل على الحدوث والتجدد، فكان سلامُه عليهم أكمل من سلامِهِم عليه، وكان، له من مقامات الرَّدِّ ما يليقُ بمنصبه - صلى الله عليه وسلم - وهو مقام الفضل؛ إذ حيَّاهم بأحسن من تحيتهم. هذا تقرير ما قالوه.

وعندي فيه جواب أحسن من هذا، وهو: أنه لم يقصد حكايةَ سلام الملائكة فنصبَ قولَه: "سلامًا" انتصاب مفعول القوال (١) المفرد، كأنه قيل: قالوا قولًا سلامًا، وقالوا: سَدَادًا وصوابًا، ونحو ذلك، فإن القَوْل: إنما تُحْكَى به الجمل، وأما المفرد فلا يكون محكيًّا به، بل منصوب به انتصابَ المفعول به، ومن هذا قوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)} [الفرقان: ٦٣]، ليس المراد: أنهم قالوا هذا اللفظ المفرد المنصوب، إنما معناه: قالوا قولًا سلامًا، مثل: سَدَادًا وصوابًا، وسُمِّيَ القولُ سلامًا (٢)؛ لأنه يؤدِّي معنى السلام ويتضمنه، من رَفْع الوَحْشة وحصول الاستئناس.

وحكي عن إبراهيم لفظ سلامِهِ، فأتى به على لفظه مرفوعًا بالابتداء مَحْكيًّا بالقول، ولولا قصد الحكاية لقال: "سلامًا" بالنَّصب؛ لأن ما بعد القول إذا كان مرفوعا (٣) فعلى الحكاية ليس إلا، فحصل من الفرق بين الكلامَيْن في حكايةِ سلامِ إبراهيمَ ورفعِه ونصب ذلك إشارة إلى معنى لطيفٍ جدًّا، وهو: أن قوله: "سلامَ عليكم" من دين


(١) (ظ ود): "الفعل".
(٢) من قوله: "ليس المراد ... " إلى هنا ساقط من (د).
(٣) من قوله: "بالابتداء محكيًّا ... " إلى هنا ساقط من (د).