للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ومنه قول النابغة الذبياني (١):

حتى اسْتَغَاثَتْ بأهلِ المِلْحِ ضَاحِيَةً ... يَرْكُضْنَ قد قَلِقَتْ عقد الأطانيبِ

ومنه قول لبيد (٢):

فمضى وقَدَّمَها وكانَتْ عادَةً ... منهُ إذا هي عَرَّدَتْ إقدامُهَا

وهذا المسلكُ وإن كان قد ارتضاه غيرُ واحد من الفضلاء فليس بقَويٍّ؛ لأنه إنما يُعْرَفُ مجيئهُ في الشعر، ولا يُعرفُ في الكلام الفصيح منه إلا النَّادر، كقولهم: "ذَهبَتْ بعضُ أَصابِعِهِ" والذي قوَّاه هاهنا شدَّةُ اتِّصال المُضاف بالمضاف إليه، وكونُه جزؤُه حقيقة، فكأنه قال: "ذَهبَتْ إصْبَعٌ أو إصْبَعَانِ مِنْ أصَابعِهِ"، وحَمْل القرآن على المكثور الذي خلافُهُ أفصحُ منه ليس بسهل.

فصل

المسلك السادس: إن هذا من باب الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر؛ لكونه تَبعًا له ومعنًى من معانيه، فإذا ذُكر أغنى عن ذكره؛ لأنه يُفهم منه.

ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)} [الشعراء: ٤] فاستغنى عن خبر الأعناق بالخبر عن أصحابها، ومنه في أحدِ الوجوه قوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرضُوهُ} [التوبة: ٦٢]، المعنى: واللهُ أحقُّ أن يُرضوه


(١) "ديوانه": (ص/ ٥٠) لكن الرواية فيه:
حتى استغاثت بأهل الملح ما طَعِمَت ... في منزلٍ طَعْم نومِ غيرَ تأويبِ
(٢) من معلقته انظر "شرح المعلقات": (ص/ ٥٥٠) لابن الأنباري.