للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وحديثُ عائشة - رضي الله عنها - المذكور على تأثير السحر وأن له حقيقة، وقد أنكر ذلك طائفةٌ من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وقالوا: إنه لا تأثيرَ للسحر ألبَتَّةَ لا في مرض ولا قتل ولا حَلٍّ ولا عقد قالوا: وإنما ذلك تخيلُ لأعين الناظرين, لا حقيقةَ له سوى ذلك.

وهذا خلافُ ما تواترت به الآثارُ (١) عن الصحابة والسَّلَف, واتفق عليه الفقهاءُ وأهل التفسير والحديث, وأربابُ القلوب من أهل التَّصَوُّف, وما يعرفُهُ عامَّةُ العقلاء.

والسحرُ الذي يؤثر مرضّا وثقلًا, وحلًّا وعقدًا, وحبًّا وبغضًا ونزيفًا, وغير ذلك من الآثار موجودٌ تعرِفُهُ عامة الناس, وكثير منهم قد علمه ذوقًا بما أصيبَ به منه.

وقوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)} دليل على أن هذا النفث يضرُّ المسحور في حال غيبته عنه, ولو كان الضررُ لا يحصُلُ إلا بمباشرة البَدَن ظاهرًا -كما يقولُه هؤلاء- لم يكنْ للنَّفثِ ولا للنفَّاثات شرٌّ يستعاذ منه.

وأيضًا: فإذا جاز على الساحر أن يَسْحَرَ جميعَ أعينِ النَّاظرين -مع كثرتهم- حتى يَرَوا الشيءَ بخلاف ما هو به -مع أن هذا تَغَيُّرٌ في إحساسهم (٢) - فما الذي يحيلُ تأثيره في تغيير بعض أعراضهم وقُواهم وطِباعهم؟! وما الفرقُ بين التَّغيير الواقع في الرُّؤية والتَّغيير في صفة أخرى من صفات النفس والبَدَن؟!.


(١) (ق): "الأخبار".
(٢) (ق): "أجسامهم".