للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فإذا عرفتَ هذا؛ فلو قال: "اهدنا صراطًا مستقيمًا" لكان الداعي إنما يطلب الهداية إلى: صراطٍ مَّا مستقيمٍ على الإطلاق، وليس المراد ذلك، بل المراد الهداية إلى الصراط المعيَّن الذي نصَبه الله لأهل نعمته، وجعله طريقًا إلى رضوانه وجنته، وهو دينه الذي لا دين له سواه، فالمطلوب أمرٌ معين في الخارج والذهن، لا شيءٌ مُطْلق مُنَكَّر، واللام هنا للعهد العلمي الذهني، وهو أنه طلب الهداية إلى معهود قد قام في القلوب معرفته، والتصديق به، وتميزه عن سائر طرق الضلال، فلم يكن بُدٌّ من التعريف.

فإن قيل: فلِمَ جاء منكَّرًا في قوله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح: ٢]، وقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)} [الشورى: ٥٢]، وقوله تعالى: {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)} [الأنعام: ٨٧]، وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: ١٦١].

فالجواب عن هذه المواضع بجواب واحد وهو: أنها ليست في مقام الدعاء والطلب، وإنما هي في مقام الإخبار من الله -تعالى- عن هدايته إلى صراطٍ مستقيم وهداية رسوله إليه، ولم يكن للمخاطبين عهد به، ولم يكن معروفًا لهم، فلم يجئ معرَّفًا بلام العهد المشيرة إلى معروفٍ في ذهن المخاطَب قائم في خَلَده، ولا تقدَّمه في اللفظ مَعْهود تكون اللام مصروفة إليه، وإنما تأتي لام العهد في أحد هذين الموضعين، أعني: أن يكون لها معهود ذِهنيّ (١) أو ذِكْريّ لفظيّ؛ وإذ لا وأحد منهما في هذه المواضع، فالتنكير هو الأصل، وهذا بخلاف


(١) سقطت من (ظ).