للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

خافَ على شيءٍ من مالهِ فإن الجُمُعَةَ تسقطُ عنه؟ فقال له: بلى، فقال له: فقلبُ المُريدِ أعزُّ عليه من ضَيَاعِ عشرة دراهِمَ -أو كما قال- وهو إذا خرج ضاع قلبُه، فحِفْظُه لقلبِه عذرٌ مُسْقِطٌ للجمعة في حقِّه، فقال له: هذا غُرورٌ، بل الواجبُ عليه الخروجُ إلى أمر الله وحفظ قلبه مع الله، فالشيخُ المُرَبِّي العارف يأمر المُريدَ بأن يخرجَ إلى الأمر ويُراعي حفظَ قلبه، أو كما قال.

فتأمَّل هذا الغرور العظيم كيف آل بهؤلاء إلى الانسلاخ عن الإسلام جملةً، فإنَّ من سلك هذا المسلكَ انسلخَ عن الإسلام العام، كانسلاخ الحَيَّة من قِشْرها، وهو يظنُّ أنه من خاصَّة الخاصَّة.

وسبب هذا عَدَمُ اقتران الخوف من الله تعالى بحبه وإرادته (١)، ولهذا قال بعضُ السَّلَف: "مَنْ عَبَدَ اللهَ تعالى بالحُبِّ وحدَه فهو زنديقٌ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حَرُوري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مُرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمنٌ (٢).

وقد جمع الله تعالى هذه المقامات الثلاث بقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: ٥٧] فابتغاءُ الوسيلة هو محبَّتُه الدَّاعيةُ إلى التَّقَرُّب إليه، ثم ذكر بعدَها الرجاء والخوف، فهذه طريقةُ عباده وأوليائه، وربما آل الأمرُ بمن عَبَدَهُ بالحب المجرد إلى استحلال المحرَّمات، ويقول: المُحِبُّ لا يَضُرُّه ذنبٌ.


(١) من قوله: "وهو يظن .... " إلى هنا سقط من (ق).
(٢) نسبه ابن تيمية إلى بعض السلف -أيضًا- كما في "مجموع الفتاوى": (١٠/ ٨١، ٢٠٧ وغيرها) وكذا ابن أبي العز في "شرح الطحاوية": (ص/ ٤٥٨)، وابن رجب في "التخويف من النار": (ص/ ١٧).