للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

تاسعًا: إقالة العثرات وغض الطرف عن الأخطاء:

يقول الشيخ صالح بن حميد حفظه الله: "إقالة العثرات، والغض عن الأخطاء، وأسلوب المداراة المتقرر في الفقرة السابقة، يقود إلى غض الطرف عن أخطاء المقصرين ما دام طريقًا لاستصلاحهم، وإقالة عثرات العاثرين إذا كانوا كرامًا ذوي هيئات، أو كان ذلك سبيلًا إلى دفنها وتقليلها" (١).

ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما حصل من حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه-، فعَنْ عَلِيٍّ -رضي الله عنه- قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَبَا مَرْثَدٍ الغَنَوِيَّ وَالزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ، قَالَ: «انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ (٢)، فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنَ المُشْرِكِينَ، مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى المُشْرِكِينَ». فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقُلْنَا: الكِتَابُ، فَقَالَتْ: مَا مَعَنَا كِتَابٌ، فَأَنَخْنَاهَا فَالْتَمَسْنَا فَلَمْ نَرَ كِتَابًا، فَقُلْنَا: مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ، فَلَمَّا رَأَتِ الجِدَّ أَهْوَتِ إلى حُجْزَتِهَا، وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ، فَأَخْرَجَتْهُ، فَانْطَلَقْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟» قَالَ حَاطِبٌ: وَاللَّهِ، مَا بِي أَنْ لَا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم-، أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ القَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَّا لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «صَدَقَ، وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا»، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟!» فَقَالَ: «لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الجَنَّةُ»، أَوْ:


(١) مفهوم الحكمة في الدعوة (٥٦).
(٢) موضع بقرب حمراء الأسد من حدود العقيق، من نواحي المدينة من جهة مكة، وهو حمى للمدينة، بقرب ذي الحليفة.
ينظر: معجم البلدان (٢/ ٣٣٥)، المعالم الأثيرة في السنة والسيرة (١٠٧).

<<  <   >  >>