للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[المبحث الأول: التعلق بمطامع الدنيا والتنازل عن الأصول من أجلها]

سبق الكلام عن الحياة الدنيا بتفصيل (١)، وأضيف إليه هنا فأقول: لقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته من خطر التعلق بالدنيا والمنافسة عليها، وبين -صلى الله عليه وسلم- أثر التنافس على الدنيا، وأن نتيجته الهلاك في أودية الدنيا وشعابها، والإلهاء عما خلقوا له، فعن عمرو بن عوف الأنصاري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فَوَاللهِ، مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» (٢)، وفي رواية للبخاري: «وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُم» (٣).

وعلى الداعية أن ينقذ الناس من فتنة الدنيا بقوله وفعله، وأن يكون قدوة حسنة في تخففه منها، فأما إذا كان من المتعلقين بمطامع الدنيا وزهرتها والمنافسين فيها، فقد يبتلى بزيغ القلب، ويصير فتنة لكل مفتون، وهذا لا يحصل إلا إذا حصل الخلل في الأعمال القلبية، وذلك حين امتلأ القلب بحب الدنيا، فغفل عن الآخرة.

وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رضي الله عنه- قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْفَقْرَ وَنَتَخَوَّفُهُ، فَقَالَ: «آلْفَقْرَ تَخَافُونَ؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُصَبَّنَّ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا صَبًّا، حَتَّى لَا يُزِيغَ قَلْب أَحَدِكُمْ إِزَاغَةً إِلَّا هِيهْ، وَايْمُ اللَّهِ، لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ» (٤).


(١) ينظر: ص (٣٩٤).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب .. (٥/ ٨٤) ح (٤٠١٥)، ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، ولم يذكر له بابًا (٤/ ٢٢٧٣) ح (٢٩٦١).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها (٨/ ٩٠) ح (٦٤٢٥).
(٤) أخرجه ابن ماجه في كتاب الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب اتباع سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- (١/ ٤) ح (٥)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٣٠٢) ح (٦٨٨)، وحسنه شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن ابن ماجه (١/ ٥) ح (٥).

<<  <   >  >>