للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[المطلب الثاني: ورعه وزهده في الدنيا وتعلق القلب بالآخرة، وكثرة ذكره وعبادته]

[الفرع الأول: ورعه وزهده وتعلق القلب بالآخرة]

من الصفات العظيمة في الداعية المصلح أن يكون قلبه متعلقًا بالآخرة، تظهر عليه سمة الورع والزهد في الدنيا، وهذه لا تظهر إلا إذا صلح القلب وسلم من الآفات، وكانت هذه الصفات من سمات الإمام أحمد رحمه الله، وهو يتمثلها في حياته منهجًا وسلوكًا، وفق منهج أهل السنة والجماعة، وهو المنهج الذي ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه عليه، قبل أن تتكدر هذه الصفات بالمناهج الوافدة فيما بعد، ودونك شذرات من مواقف هذا الإمام في ورعه وزهده نستنطق منها العظات والعبر.

ومما ينبغي أن يعلم أنه ليس من الزهد ما يقع فيه بعض من تكدرت مشاربه بصوفية استُقِيت من وثنيات الشرق أو الغرب، فصار الزهد يعني لبس الرث من الثياب، وعدم الاعتناء بالنظافة، رهبانية ابتدعوها.

أما إمامنا -وهو الزاهد الذي على منهاج النبوة- فهو على منهج الوسط والاعتدال، فقد كان رحمه الله كما يذكر الذهبي عن عبد الملك الميموني (١) أنه قال: "ما أعلم أني رأيت أحدًا أنظف بدنًا، ولا أشد تعاهدًا لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه، ولا أنقى ثوبًا بشدة بياض من أحمد بن حنبل -رضي الله عنه-.

كان ثيابه بين الثوبين، تسوى ملحفته خمسة عشر درهمًا، وكان ثوب قميصه يؤخذ بالدينار ونحوه، لم يكن له دقة تنكر، ولا غلظ ينكر، وكان ملحفته مهذبة" (٢).


(١) الإمام، العلامة، الحافظ، الفقيه عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني، وكان من كبار أصحاب الإمام أحمد، وكان عالم الرقة، ومفتيها في زمانه، مات رحمه الله سنة (٢٧٤ هـ).
ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٢١٢)، تذكرة الحفاظ (٢/ ١٣٤)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٨٩).
(٢) سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٠٨).

<<  <   >  >>