للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أمير المؤمنين، أوجدني شيئًا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- حتى أجيبك إليه" (١).

وحكى ابن الجوزي عن أبي بكر المروذي قال في محنة أحمد بن حنبل: "يا أستاذ، قال الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: ٢٩]، فقال أحمد: يا مروذي، اخرج انظر، أي شيء ترى؟ قال: فخرجت إلى رحبة دار الخليفة، فرأيت خلقًا من الناس لا يحصي عددَهم إلا الله، والصحف في أيديهم، والأقلام والمحابر في أذرعتهم، فقال لهم المروذي: أي شيء تعملون؟ فقالوا: ننتظر ما يقول أحمد فنكبته، فقال المروذي: مكانكم، فدخل إلى أحمد بن حنبل، فقال له: رأيت قومًا بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقول فيكتبونه، فقال: يا مروذي، أُضِلُّ هؤلاء كلَّهم! أَقتلُ نفسي ولا أُضِلّ هؤلاء كلهم" (٢).

[المطلب الرابع: أثر عمل القلب على حسن خلقه رحمه الله، وعفوه عمن آذوه]

قال أبو الحسين بن المنادي: "سمعت جدي (٣) يقول: كان أحمد من أحيا الناس،


(١) سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٩٥).
(٢) مناقب الإمام أحمد (٤٤٥) وعلق ابن الجوزي على هذا الموقف في مناقب الإمام أحمد (٤٤٦) بقوله: "قلت: هذا رجل هانت عليه نفسه في الله تعالى فبذلها، كما هانت على بلال نفسه. وقد روينا عن سعيد بن المسيب: أنه كانت نفسه عليه في الله تعالى، أهون من نفس ذباب. وإنما تهون أنفسهم عليهم لتلمحهم العواقب، فعيون البصائر ناظرة إلى المآل لا إلى الحال، وشدة ابتلاء أحمد دليل على قوة دينه، لأنه صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِه»، فسبحان من أيده وبصره، وقواه ونصره! ".
(٣) الإمام المقرئ الحافظ أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله بن يزيد، أبو الحسين المعروف بابن المنادي، كان ثقة أمينًا حجة صادقًا، صنف كثيرًا، وجمع علومًا جمة، ولم يسمع الناس منها إلا اليسير، وذلك لشراسة أخلاقه، مات رحمه الله سنة (٣٣٦ هـ).
ينظر: تاريخ بغداد (٥/ ١١٠)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٦١)، البداية والنهاية (١٥/ ١٩٤).
وجد ابن المنادي هو: الإمام، المحدث، الثقة، شيخ وقته، أبو جعفر محمد بن أبي داود عبيد الله بن يزيد البغدادي، المنادي. وذكر حفيده أبو الحسين: أن جده مات سنة (٢٧٢ هـ) عليه رحمة الله.
ينظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٥٥).

<<  <   >  >>