للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أحوج أن تدعو الله لنا، فوليت منصرفًا، فخرجت عجوز، فقالت: قد تركته يدعو لها. فجئت إلى بيتنا، ودققت الباب، فخرجت أمي على رجليها تمشي" (١).

وقال أبو بكر المروذي: "قلت لأبي عبد الله: إن بعض المحدثين قال لي: أبو عبد الله لم يزهد في الدراهم وحدها، قد زهد في الناس، فقال أبو عبد الله: ومن أنا حتى أزهد في الناس؟! الناس يريدون يزهدون فيّ، وقال أبو عبد الله: أسأل الله أن يجعلنا خيرًا مما يظنون، ويغفر لنا ما لا يعلمون" (٢).

[المطلب الثالث: أثر عمل القلب على ثبات الإمام أحمد على عقيدة السلف، وصبره على ما لقيه في ذلك]

الصبر والثبات من المعالم البارزة في حياة الدعاة إلى الله تعالى، الذين يحرصون على تحقيق أعمال القلوب، فإن ذلك من أعظم أسباب الثبات، وبالأخص ثباتهم على الصراط المستقيم والمنهج القويم، من غير تغيير ولا تبديل، يدعون إلى الله على بصيرة على منهاج النبوة، ويصبرون على ما يلقونه في ذات الله تعالى، وهذا المعلم من المعالم الواضحة في حياة إمامنا عليه رحمة الله، فقد ضرب أروع الأمثلة في الصبر والثبات، وثبته الله ثبات الجبال، ونصر به السنة، وقمع به البدعة، في يوم من أيام الله الخالدة، وذلك في فتنة القول بخلق القرآن التي تولى كبرها أئمة الضلال من الجهمية وأهل الاعتزال، مع الاستعانة بقوة السلطان التي مالت إليهم، فحصل بلاء عظيم وفتنة شرها مستطير؛ ولكن الله ثبت الإمام أحمد ليقول كلمة الحق، ويصبر على المحنة والسجن والضرب؛ ليخرج من هذه الفتنة منتصرًا للمنهج الحق، منهج أهل السنة والجماعة؛ ليكون موقفه معلمًا بارزًا في حياة الأمة، وقد جعل الله له قبولًا في الأرض،


(١) والقصة ذكرها أبو نعيم في حلية الأولياء (٩/ ١٨٧)، إلا أنه قال: علي بن أبي حرارة، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥/ ٢٩٩)، وذكرها كذلك الذهبي في تاريخ الإسلام (٥/ ١٠٢١)، وقال: رواها ثقتان عن عباس الدوري، و كذا قال في سير أعلام النبلاء (١١/ ٢١١).
(٢) الورع لأحمد رواية المروذي (١٦٣ - ١٦٤).

<<  <   >  >>