للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[المبحث الثاني: تسلط الأعداء على الأمة]

لما دب إلى القلوب داء الأمم قبلنا الحسد والبغضاء، وتمكن حب الدنيا من القلوب، وكره الدعاة وأتباعهم الموت في سبيل الله، وظهر التفرق، والتحزب، والتنازع، تداعت الأعداء على هذه الأمة كما يتداعى الأكلة على موائد الطعام، مع كثرة الأمة إلا أنهم لا وزنهم لهم ولا قيمة؛ لأنهم مشغولون بأنفسهم عن أعدائهم، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذه الحالة، فقال: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ».

وحب الدنيا باب الشيطان الكبير الذي يدخل منه إلى القلوب، ويسعى في التفريق والتحريش به بين المؤمنين، ويُمكّن من خلاله لتسلط الأعداء؛ ولهذا -والله أعلم- نجد أن الله تعالى يقدم التحذير من الاغترار بالدنيا على التحذير من الاغترار بالشيطان، فقال تعالى: {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: ٣٣]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر: ٥]؛؛ لأن القلوب إذا تعلقت بالدنيا أحبتها وزهدت في الآخرة، وكرهت لأجلها الموت في سبيل الله، ورضيت بأن تعيش لشهواتها، وأخلدت إلى الأرض، فتسلطت عليها شياطين الجن والإنس، وأشغلتها بالتنازع والافتراق، وضربت قلوب بعضها ببعض، ومن ثَمَّ تُرِكت الدعوة أو ضعف الاهتمام بها، وأقبلت النفوس على الدنيا تسابق إليها وتنافس فيها،

<<  <   >  >>