للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وجوابُ هذا: أن الضميرَ إنما يرجعُ إلى الأقرب (١) عند سلامتِه من معارِضٍ يقتضي الأبعدَ، وقد بَيَّنَّا أن السياقَ يقتضي أن القاعدَ هو المتفَقِّهُ المنذرُ للنافرِ الراجعِ.

والمقصودُ أن "نفر" في الآية ماضٍ، وإنما يفهمُ منه الاستقبال؛ لأن التحضيضَ يؤذِنُ به، والتحقيقُ في هذا الموضِع: أن لفظة "لولا" و"هلَّا" إن تجرَّدَ للتوبيخ لم يتغيرْ الماضي عن وضعِه، وإن تجرَّدَ للتَّحْضيض تَغَيَّرَ إلى الاستقبال (٢). وإن كان توبيخًا مُشْرَبًا معنى التَّحضيض صَلَحَ للأمرينِ، وإن وقع بعدَ "كلما" (ظ/٢٦٧ ب) جازَ أن يُرَادَ به المُضِيُّ كقوله تعالى: {كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ} [المؤمنون: ٤٤] وأنْ يُراد به الاستقبال كقولِه: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: ٥٦].

وقد ظن صاحبُ "التسهيل" (٣) أنه إذا وقع صِلَةً للموصول جاز أن يُرَادَ به الاستقبالُ محتجًّا بقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)} [المائدة: ٣٤]، وهذا وهمٌ منه -رحمه اللهُ- والفعلُ ماضٍ لفظًا ومعنىً، والمرادُ: إلا الذين تقدَّمَتْ تَوْبَتُهم القُدْرَةَ عليهم، فخلُّوا سبيلَهم، والاستقبالُ الذي لحظه -رحمه الله- إنما هو لما تضمَّنه الكلامُ من معنى الشرط، ففيه معنى: من تاب قبل أن تقدروا عليهِ فخلُّوا سبيلَه، فلم يجيءْ هذا من قبل الصِّلةِ، ولو تجرَّدَتِ (٤) الصِّلَةُ عن معنى الشرط، لم يكن الفعلُ إلَّا ماضيًا وضعًا


(١) (ق): "القريب".
(٢) من قوله "لأن التحضيض. . ."، إلى هنا ساقط من (ظ).
(٣) انظر (٤/ ١٦٣٥، حاشية ٢).
(٤) (ع وظ): "تحركت".