للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث: فحمله الجمهور على من وصى بأن يبكى عليه ويناح بعد موته، فنفذت وصيته، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم؛ لأنه بسببه ومنسوب إليه، قالوا: فأما من بكى عليه أهله وناحوا عليه من غير وصية منه .. فلا يعذب؛ لقول الله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (١)، قالوا: وكان من عادة العرب الوصية، قالوا: فخرج الحديث مطلقًا، فحملوه على ما كان معتادًا لهم، وهذا أصح التأويلات.

وقالت طائفة: هذا الحديث محمول على من أوصى بالبكاء والنوح عليه، أو لَمْ يُوصِ بتَرْكِهما؛ فمن أوصى بهما أو أهمل الوصية بتركهما .. يعذب بهما؛ لتفريطه بإهمال الوصية بتركهما، فأما مَنْ وَصَّى بتركهما .. فلا يعذب بهما؛ إذ لا صنع له فيهما، ولا تفريط منه، وحاصل هذا القول: إيجاب الوصية بتركهما، ومن أهملها .. عذب بهما.

وقالت طائفة: معنى الحديث: أنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك الشمائل قبائح في الشرع يعذب بها؛ كما كانوا يقولون: يا مؤيد النِّسْوانِ، ومُخَرِّبَ العمران، ومُفَرِّقَ الأخدانِ، ومؤتم الولدان، ونحو ذلك مما يرونه شجاعةً وفخرًا، قال النووي: وهو حرام شرعًا.

وقالت طائفة: معناه: أنه يعذب بسماعه بكاءَ أهله ويَرِقُّ لهم، وإلى هذا ذهب ابن جرير الطبري وغيره، وقال القاضي عياض: وهو أولى الأقوال، واحتجوا بحديث فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر امرأة عن البكاء على أبيها، وقال: "إنَّ أحدكم إذا بكَى .. اسْتَعْبَرَ به صُوَيْحِبُهُ - يعني: الميتَ - فيا عباد الله؛ لا تعذبوا إخوانكم".


(١) سورة الأنعام: (١٦٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>