للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وحتى يسلم من الشذوذ في فهم الأدلة فلا يخالف الكتاب وهو يريد أتباعه، ومن أدرك نظام ورود الأدلة في الكتاب والسنة كان الصواب حليفه؛ لأن هذه الشريعة جاءت من لدن خبير عليم فلا نظن أننا سندرك المراد منها ما لم نتعلم الطريقة التي بنى عليها علماء الإسلام فقههم وفهمهم. وإن حاجة الفقيهة إليها أشد من حاجة الخطيب إلى علم النحو. والمحاسب إلى علم الحساب.

ولقد رأيت من صغار السن من يتصدى للنظر في مسائل الخلاف والترجيح بين الأقوال، وهو ممن لا يدرك الأصول التي بنى عليها الأئمة مذاهبهم، كما لم تكن له عناية بطرق الترجيح والموازنة بين الأقوال. فجاءت ترجيحاته متناقضة من حيث التقعيد مختلفة من حيث التأصيل.

بينما نجد فقه الأئمة رحمهم الله متميزاً بالانضباط والانسجام في التعامل مع أدلة الأحكام. فالقواعد التي بنوا عليها نظرهم في أدلة العبادات. هي القواعد التي مارسوها في فقه أدلة المعاملات وهكذا في بقية أحاديث الأحكام وآياته فرحمهم الله.

وقد نوه الإمام ابن العربي رحمه الله بفقه الإمام أحمد حينما تعرض للترجيح في مسألة تقييد إطلاق حديث ابن عباس رضي الله عنهما بالقيد الوارد في حديث ابن عمر رضي الله عنهما من الأمر بقطع الخفاف وكان أحمد رحمه الله لا يقول بهذا هو وعطاء. فشكك ابن العربي رحمه الله في صحة ورود هذا عن الإمام أحمد؛ لأنه يخالف أصله، وهو القول بتقييد المطلق بالمقيد، فقال: أما عطاء فيهم في الفتوى وأما أحمد فعلى صراط مستقيم. عارضة الأحوذي ٤/ ٥٥.

ومراده بهذا أن عطاء لم يكن دقيقاً كدقة الإمام أحمد في التعامل مع أصول الفقه، فقد اعتبر أصول الفقه من الموازين التي يوزن بها فقه الرجال.

وإن الهدف من هذا التنبيه طلب الأناة عند النظر في فقه نصوص الكتاب والسنة من أجل السلامة من الخطأ والبعد عن مخالفة أئمة العلم والدين الذين سبقونا بالإيمان والإسلام حيث أردنا متابعتهم.

وقد يلحظ الناظر في بعض الفتاوى الميل إلى الأخذ بالرخص، ودعوة الناس إلى ذلك، أملاً في دفع المشقة عنهم. وفي نظري أن هذا خلاف السنة العملية والفتاوى النبوية؛ لأنها قسمت الأحكام إلى رخص وعزائم، فللرخص أحكامها, وللعزائم مثل ذلك.

ثم إن الأصل في ذلك حمل الناس على العزائم ما لم يكونوا من أصحاب الأعذار؛ لأن هذا الصنف هم الذين شرعت من أجلهم الرخص، دفعاً للمشقة عنهم. ولو أخذ عموم الناس بالرخص دون العزائم أو بالعزائم دون الرخص، لوقعوا في المشقة والحرج، ثم لفاتت عليهم حكمة التنويع في الأحكام، مع ما يشتمل عليه هذا من مخالفة السنة. والخوف عليهم من الوقوع فيما توعد الله به الذين يخالفون أوامره صلى الله عليه وسلم والذي جاء التحذير منه في قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [سورة النور: ٦٣].

ولنذكر هنا أمثلته من الاجتهاد والتعليلات التي أطلقها أصحابها وفقهم الله لكل خير، والتي قصدوا منها – أثابهم الله على حسن قصدهم -، رفع الحرج عن الناس وإقناعهم بقبول ما عللوا به من أحكام:

أولاً: قالوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حدد بداية الرمي ولم يحدد نهايته، وفي نظري أن هذا يتعارض مع إذنه صلى الله عليه وسلم للرعاة بأن يرموا ليلاً. فلو لم يكن وقت نهاية الرمي محدداً لم تظهر الحكمة من هذه الرخصة، بل لما احتاج الرعاة إلى طلبها؛ فهذا التعليل لا يتفق مع فقه الصحابة رضي الله عنهم. ولا مع فقه الأئمة الذين فرقوا بين حكم رمي النهار وحكم رمي الليل حيث اعتبروا الأول عزيمة والثاني رخصة.

<<  <  ج: ص:  >  >>