للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث:

خَبَرٍ، فكأنَّه قال: أَمْرُكَ صَبْرٌ جَميلٌ أو صَبْرٌ جَميلٌ أَمثَلُ.

والقَولُ عندي إنّه مبتدأ لا خَبَرَ له، لأنّه اسمُ فِعلٍ نابَ منابَ الفِعلَ والفاعِلِ ووَقَعَ موقِعَهُ وتَعَرَّى من العوامِلِ فوجَبَ رَفْعُهُ واستَغْنَى عن الخَبَرِ لِما فيه من معنى الفِعلِ والفاعِلِ، ونَظيرُهُ من كلامِ العربِ في الاكتِفاءِ به وَحْدَهُ دونَ خَبَر قولُهم: حَسْبُكَ يَنَمِ الناسُ، لأنّ معناه اكفُفْ ولذلك أُجيبَ كما يُجابُ الأمرُ، وهذا بَيَّنٌ إنْ شاء اللَّهُ.

وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ أيضًا من المصادِرِ ينتصبُ على إضمارِ الفِعلِ المتروكِ إظْهارُهُ (٦٦٣):

[٢٥٦] عَمَّرْتُكِ اللَّهَ إلّا ما ذَكَرْتِ لَنا … هلْ كنْتِ جارَتَنا أَيّامَ ذي سَلَمِ

الشاهدُ فيه قولُهُ: (عَمَّرْتُكِ اللَّه) ووَضْعُهُ موضعَ عَمْرَكَ اللَّهَ، فاستَدَلّ سيبويه على أنّ عَمْرَكَ وُضِعَ بَدَلًا من اللفظِ بالفِعلِ فلَزِمَهُ النَصْبُ بذكرِ الفِعلِ مُجَرَّدًا في البيتِ.

ومعنى عَمَّرْتُكِ اللَّه ذَكَّرْتُكَ به، وأَصلُه من عِمَارَةِ الموضعِ، فكأَنّه جَعَلَ تذكيرَهُ عِمارَةً لقلْبِهِ. وذو سَلَمٍ: موضعٌ بعينِهِ. و (ما) بعدَ (إلّا) زائدةٌ للتوكيدِ، و (إلّا) جَوابٌ لقوله: عَمَّرْتُكِ بمنزلةِ اللام في قوله: "عَمْرَكَ" اللَّه لتَفْعَلَنَّ، وقد بَيَّنْتُ عِلَّةَ دُخولها في مثلِ هذا على اللام في كتاب "النكت" (٦٦٤).

وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ (٦٦٥):

[٢٥٧] عَمَّرْتُك اللَّه الجَليلَ فَإنَّنِي … أَلْوِي عليكَ لَو أنَّ لُبَّكَ يَهْتَدِي

القَولُ فيه كالقولِ في الذي قَبْلَه.

ومعنى أَلْوِي أَعْطِفُ وأُعَرِّجِّ. واللُّبُّ العَقْلُ، أَيْ: قَدْ وَعَظْتُكَ وتَهَمَّمْتُ بإرشادِكِ


(٦٦٣) البيتُ للأحوص الأنصار، في شعره: ١٩٩، وهي بلا عزو في الكتاب ١/ ١٦٣.
(٦٦٤) ينظر النكت: ٣٧٣.
(٦٦٥) لعمرو بن أحمر في: الكتاب ١/ ١٦٣، شعره: ٦٠.

<<  <   >  >>