للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أبي أحمد الموفّق بن المتوكل بن المعتصم العباسيّ، وله إحدى وثلاثون سنة، وكان وسيما جميلا، بديع الجمال، معتدل القامة درّيّ اللون، أسود الشعر، استخلف بعد أبيه، وكانت دولته ست سنين ونصفا، وتوفي في ذي القعدة، وفيه يقول أحد أعيان الأدباء وقد أبان زوجته عن نشوز وعقوق:

قايست بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالخلاعة لا تفي

والله لا راجعتها ولو انّها ... كالبدر أو كالشّمس أو كالمكتفي [١]

وقيل للمكتفي في مرضه الذي مات فيه: لو وكّلت بعبد الله بن المعتز، ومحمد بن المعتمد، قال: ولم؟ قيل: لأن الناس يرجفون لهما بالخلافة بعدك، فتكون مستظهرا حتّى لا يخرج الأمر عن أخيك جعفر، فقال: وأيّ ذنب لهما؟ أليس هما من أولاد الخلفاء، وإن يكن ذلك، فليس بمنكر، والله يؤتي الملك من يشاء، فلا تتعرضوا لهما.

وكان المكتفي كثير العساكر، كثير المال، يخصّ أهل بيته بالكرامة والحباء الكثير، ولم يل الخلافة بعد النّبيّ صلى الله عليه وسلم، من اسمه علي إلّا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، والمكتفي بالله.

ولما توفي المكتفي ولي بعده أخوه المقتدر، وله ثلاث عشرة سنة وأربعون يوما، ولم يل أمر الأمة صبي قبله.

وفيها عيسى بن مسكين، قاضي القيروان وفقيه المغرب، أخذ عن سحنون، وبمصر عن الحارث بن مسكين، وكان إماما، ورعا، خاشعا، متمكّنا من الفقه والآثار، مستجاب الدعوة، يشبّه بسحنون في سمته وهيئته، أكرهه ابن الأغلب الأمير على القضاء، فولي ولم يأخذ رزقا، وكان يركب حمارا ويستقّي الماء لبيته، رحمه الله تعالى.


[١] البيتان في «غربال الزمان» ص (٢٦٢) .

<<  <  ج: ص:  >  >>