للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نفسه- إلى دين الله، فهؤلاء الذين يرفعون عقائرهم في المجتمعات والمحافل وعلى المنابر يطالبون بتحكيم كتاب الله، والسير على شريعة العدل شريعة السماء، شريعة المنطق السليم، قانون رب العالمين الذي وضعه لخلقه وهو أعلم بهم، هؤلاء بلا شك أحسن قولا من غيرهم، بل إن غيرهم الذين لا يدعون إلى الله ليس في قولهم خير ولا في عملهم بركة.

الذي يدعو إلى الله لا بد أن يكون عمله صالحا يلتقى مع قوله، بل هو في عمله الظاهر والباطن يكون أشد مراقبة لله وخشية منه، فإنا في زمن ليس للكلام فيه تأثير كثير وإنما التأثير للعمل والتقليد، فما أشد حاجتنا إلى علماء ووعاظ ربانيين وقرآنيين يكون عملهم مثلا أعلى يحتذيه كل مسلم، وقال على سبيل المفاخرة والمجاهرة: إننى من المسلمين وجماعتهم، وهذه الآية مسوقة لتثبيت قلب من يدعو، وتربيته بأدب القرآن والله يعلم أن دعاة الحق لا بد أن يصادفهم ما يؤلمهم فيقول لهم: لا تستوي الحسنة- كالدعوة إلى الله- ولا السيئة كالإعراض عنها وذم القائم بها.

والعلاج هو أن تدفع السيئة بالحسنة يا سبحان الله! هذا علاج القرآن وحقا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم خلقه القرآن، ادفع السيئة بالخصلة التي هي أحسن منها، كدفع الغضب بالصبر، ودفع الجهل بالحلم، والإساءة بالعفو.

فإذا فعلت مع عدوك ذلك فاجأك «١» في الحضرة انقلابه وصيرورته مشابهة في المحبة للصديق الذي لم تسبق منه عداوة.

وما يؤتى هذه الخصلة التي هي دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا على المكروه وراضوا أنفسهم على تحمل الأذى، وكانوا أقوياء أشداء، ليس الشديد بالصرعة- هو من يصرع الناس ويغلبهم- إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم من خلق النفس وكمالها.

تلك مرتبة عالية، ومركب صعب أن يقابل الإنسان منا السيئة بالحسنة وخاصة وهو يتحمل العذاب في سبيل خير الناس، فإن لعب بك الشيطان ونزغك وحاول أن


(١) (فإذا الذي بينك) الفاء للسببية، وإذا الفجائية ظرف مطلق، المعنى التشبيه، وهذا على القول باسميتها.

<<  <  ج: ص:  >  >>