للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المعنى:]

كذبت قبل مشركي مكة قوم نوح فكذبوا «١» عبدنا نوحا، ويا ليتهم اقتصروا على ذلك بل قالوا له: هو مجنون، وكذبوه، ورموه بالجنون، وزجروه عن تبليغ الدعوة بالإيذاء والتخويف.

ولما اشتد عليه الإيذاء دعا ربه بأنى مغلوب على أمرى فانتصر لي، وانتقم من هؤلاء رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [سورة نوح آية ٢٦] .

فاستجاب الله دعاء نوح، وحقت عليهم الكلمة، وفتح عليهم أبواب السماء بماء متدفق كثير «٢» ، وفجر الله عيون الأرض، وفتحها لينساب الماء منها بتدفق غزير، فالتقى الماء النازل من السماء والماء النابع من الأرض حالة كونه على قدر قدره الله لم يتجاوز واحد منهما قدره.

وكان نوح قد أمر بصنع السفينة، وصنعها بين استهزاء قومه وسخريتهم، فلما ازداد الماء ركب نوح ومن معه السفينة ونجا من الغرق، فانظر إليه وقد حمله ربك على السفينة وصارت تجرى بعناية الله وتحت رعايته! حتى نجا وغرق من كفر به، فعل ذلك ربك إكراما لنوح- عليه السلام- وجزاء لمن كفر به وبرسالته من قومه، ولقد تركناها آية وعبرة لمن يأتى بعدها، فهل من معتبر؟! فانظر كيف كان عذاب ربك للعصاة الكافرين، وكيف كان إنذارهم؟! وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟ وهذه جملة ذكرت عقيب كل قصة تقريرا لمضمون ما سبق من قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ولعلها كررت لبيان أن كل قصة كافية في الاعتبار والاتعاظ.


(١) الفاء فاء تفصيل وتفريع، وقيل: إنها للسببية، على معنى: كذبوا بالأنباء جميعا فتسبب عن ذلك تكذيب نوح.
(٢) في الكلام استعارة تمثيلية حيث شية تدفق المطر من السحاب بانصباب أنهار انفتحت بها أبواب السماء، وبعضهم يرى أن الكلام على حقيقته وأن السماء تحت أبوابها بالماء بدون سحاب.

<<  <  ج: ص:  >  >>