للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الفصل الثاني عشر في النكاح بالكتاب والرسالة وفي النكاح مع الغائب]

قال محمد رحمه الله في «الأصل» : إذا كتب إليها يخطبها فزوجت نفسها منه كان صحيحاً والأصل في ذلك أن الكتابة من الغائب بمنزلة الخطاب من الحاضر، وقد صح أن رسول الله عليه السلام كتب إلى النجاشي يخطب أم حبيبة فزوجها النجاشي له...... منه إلا أن الكتاب من الغائب مع الخطاب مع الحاضر يفترقان من وجه، فإن الحاضر إذا خطبها فلم تجبه في مجلس الخطاب وإنما أجابته في ملجس آخر لا يصح النكاح، وإذا بلغها الكتاب وقرأت الكتاب ولم تزوج نفسها منه في ذلك المجلس وإنما زوجت نفسها في مجلس آخر بين يدي الشهود وقد سمع الشهود كلامها وما في الكتاب يجوز النكاح وإذا بلغها الكتاب فقالت زوجت نفسي من فلان، فكان ذلك بمحضر من الشهود لا ينعقد النكاح وإن بلغه الخبر، وأجاز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لأن سماع الشهود كلامَ المتعاقدين شرط انعقاد النكاح والشهود إن سمعوا كلامها لم يسمعوا كلام الزوج.

ولو قرأت الكتاب على الشهود أو قالت: إن فلاناً كتب إلي يخطبني فاشهدوا أني قد زوجت نفسي منه صح النكاح؛ لأن الشهود سمعوا كلامها بإيجاب العقد، وسمعوا كلام الخاطب بإسماعها إياهم إما بقراءة الكتاب أو العبارة عنه، وإن جاء الزوج بالكتاب مختوماً وقال: هذا كتابي إلى فلانة فاشهدوا عليه لا يصح عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله حتى يقرأ عليهم الكتاب، أو يعلمهم ما في الكتاب خلافاً لأبي يوسف رحمه الله. ثمرة الخلاف تظهر فيما إذا جحد الزوج الكتاب فشهدوا أن هذا كتابه إلى فلانة ولم يشهدوا بما في الكتاب لا تقبل الشهادة عندهما ولا يقضي بالنكاح.

وإذا أرسل إليها رسولاً فالحر والعبد والصغير والكبير والعدل والفاسق في ذلك على السواء؛ لأن الرسالة تبلغ عبارة المرسل إلى المرسل إليه، ولكل واحد من هؤلاء عبارة مفهومة فيصح تبليغ الرسالة منهم.

وإذا بلغ الرسالة وقال: إن فلاناً يسألك أن تزوجي نفسك منه، فأشهدت أنها قد زوجت كان ذلك جائزاً إذا أقرّ الزوج بالرسالة أو قامت عليه البينة؛ لأن الرسول بلغها عبارة المرسل فكأنّ المرسل حضر بنفسه، وعبّر عن نفسه بين يدي الشهود، وإن كان الرسول قد خطبها وضمن لها (١٩٩ب) المهر وقال: أمراني بذلك فزوجت نفسها ثم حضر الزوج وصدّق الرسول في الرسالة، والأمر بالضمان صح النكاح وصح الضمان إذا كان الرسول من أهل الضمان، فإذا أدّى الضامن رجع بذلك على الزوج، وإن كذبه في الأمر بالضمان وصدّقه في الرسالة صح النكاح، وصح الضمان فيما بين المرأة والرسول،

<<  <  ج: ص:  >  >>