للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كان المدفوع سكراً، له أن يحبس قدر ما يحبسه الناس في العادة، هكذا اختيار الفقيه أبي الليث قال: لأن أمر السكر على السهولة، وأمر الدراهم على الاستقصاء، وبعض مشايخنا قالوا: ليس له ذلك، قال الفقيه أبو الليث: وله أن يدفع السكر إلى غيره لينثر، وإذا نثر له أن يلتقط، وبعض مشايخنا قالوا: ليس له ذلك كما في الدراهم.

وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: رجل نفق حماره وألقاه في الطريق فجاء إنسان وسلخه، ثم جاء صاحب الحمار فلا سبيل له على أخذ الجلد، ولو لم يلق الحمار على الطريق فأخذه رجل من منزل صاحبه وسلخه وأخذ جلده، فلصاحب الجلد أن يأخذ الجلد، ويرد ما زاد الدباغ فيه.

وعنه أيضاً: في شاة ميتة نبذها أهلها، فأخذ رجل صوفها وجلدها فدبغها فذلك له، فإن جاء صاحبها بعد ذلك أخذ الجلد ورد ما زاد الدباغ فيه، وجوابه في مسألة الشاة يخالف جوابه في مسألة الحمار، فيكون كل واحد من المسألتين نقضاً على الأخرى، فيصير في المسألتين روايتان، ومن هذا الجنس مسائل كثيرة تأتي في كتاب اللقطة إن شاء الله تعالى (٩٢أ٢) .

[الفصل الرابع عشر في الكسب]

بدأ محمد رحمه الله كتاب «الكسب» الذي صنعه بحديث رواه ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «طلب الكسب فريضة على كل مسلم» ، كما أن طلب العلم فريضة؛ وهذا لأن الله تعالى فرض الفرائض على عباده، ولا يتوصل إلى أداء الفرائض إلا بالكسب، فكان فريضة بمنزلة الطهارة لأداء الصلاة، ولأن ذلك يمكنه من أداء الفرائض بقوة بدنه، ولا حصول لقوة البدن عادة إلا بالقوت، ولا حصول للقوت، وكذلك لا بد للصلاة من ستر العورة، إنما يحصل بالثوب، وطريق تحصيل الثوب الكسب، فهو معنى قولنا: لا يتوصل إلى أداء الفرائض إلا بالكسب فصار فرضاً؛ كيف وإن الله تعالى أمرنا بالتجارة في كتابه، لقوله: {وإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} (الجمعة:١٠) والمراد منه التجارة والأمر على الوجوب، ولأن الكسب طريق الأنبياء والرسل عليهم السلام، أول من اكتسب أبونا آدم عليه السلام، فلما أهبط إلى الأرض أتاه جبرائيل عليه السلام بالحنطة وأمره أن يزرعها، فزرعها وسقاها وحصدها ودرسها وطحنها وخبزها. وكذلك نوح عليه السلام كان نجاراً يأكل من كسبه، وإدريس عليه السلام كان خياطاً، وإبراهيم عليه السلام كان بزازاً، وداود كان بزازاً حتى روي أن

<<  <  ج: ص:  >  >>